النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٨٩٦

896

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

إنّ تهميش المقاصد وبناء الأحكام على أسس القواعد اللغوية والأصولية فقط، بعيدا عن مقاصد الشريعة الإسلامية وغاياتها، كان السبب وراء إبداع ذلك النوع من الفقه.

ولو أنّ الفقهاء الذين بنوا الأحكام على فقه المخارج والحيل اتجهوا إلى المقاصد وبنوا قواعد النظر الاجتهادي على أساس من قواعد المقاصد، لأدى ذلك إلى إثراء الفقه وإغنائه بالحلول الناجعة وإمداد الحياة المتغيرة بأحكام تعالج المستجدات تحت ضوء المقاصد ونورها، ولما احتاج الفقهاء إلى فقه المخارج والحيل، ولهذا السبب ذاته لم نر أثراً لذلك الفقه في فقه الصحابة ولا فقه التابعين، ذلك أن الرؤية المقصدية للأحكام كانت حاضرة في اجتهادهم ولم يكن للشكلية حضور عندهم إلا بما توجبه الأمور الفنية في تلك الأحكام.

فعندما يستحضر الفقيه أو المجتهد المقاصد أثناء نظره الاجتهادي، فإنّ الحيل تختفي لمنافاتها لطبيعة الاجتهاد المقاصدي، لذلك نجد العلماء الذين عنوا بالمقاصد حاربوا الحيل محاربة لا هوادة فيها؛ لأنَّها تُفرِغُ الحكم من مضمونه، بل إنّها تؤدي إلى الاختلال البين والتناقض الظاهر بين الحُكم وحِكْمَتِه التشريعية وبين قصد المكلف وقصد المكلّف.

فما

هي

الحيل؟ وما هو موقف الفقهاء منها؟

- تعريف الحيل:

الحيل لغة: الحيل جمع حيلة. وقد استعملت في اللغة على عدة معان منها: الحذق وجَوْدَةُ النظر وحسن التدبير والقدرة على التصرف في الأمور

الحيل اصطلاحاً عرّفها الشاطبي بقوله: (وحقيقتها تقديم عمل ظاهر الجواز لإبطال حكم شرعي وتحويله في الظاهر إلى حكم آخر مآل العمل فيها خرم قواعد الشريعة في الواقع»، والشاطبي هنا يتحدّث عن الحيلة المحرمة، ذلك أنّه في موضوع آخر يذكر الحيلة الجائزة حيث يقول: «الحيل التي تقدم إبطالها وذمها والنهي عنها ما هدم أصلاً شرعياً، وناقض مصلحة شرعية؛ فإن فرضنا أن الحيلة لا تهدم أصلاً شرعياً ولا تناقض مصلحة شهد الشرع باعتبارها، فغير داخلة في النهي».

أما ابن تيمية فقد قال في الحيلة: «الحيلة مشتقة من التحول … ومعناها نوع مخصوص من التصرف والعمل الذي هو التحول من حال إلى حال، هذا مقتضاها في اللغة ثمّ غلبت بعرف

(1) ابن منظور: لسان العرب، 195/ 11. الرازي: مختار الصحاح، ص 68.

(2) الشاطبي: الموافقات، 201/ 2. (3) الشاطبي: الموافقات، 4//247.