النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٨٩٧نظرية المآلات: «قاعدة الأمور بمقاصدها»
د. خالد بن محمد بابكر
897
الاستعمال على ما يكون من الطرق الخفية إلى حصول، الغرض، بحيث لا يتفطن له إلّا بنوع من الذكاء والفطنة، فإن كان المقصود أمراً حسناً كانت حيلة حسنة، وإن كان قبيحاً كانت قبيحة …
صار في عُرْفِ الفقهاء إذا أُطْلِقَتْ قُصِدَ بها الحيل التي يستحلّ بها المحارم كحيل اليهود، وكل حيلة تضمنت إسقاط حق الله أو لآدمي، فهي تندرج في ما يُستحَلُّ به المحارم فإنّ ترك الواجب من المحارم». وقال في موضع آخر: الحيلة أن يقصد سقوط الواجب أو حِلَّ الحرام بفعل لم يُقصد به ما جعل ذلك الفعل له وما شُرع له».
في
أما ابن القيم فقد تعرض لموضوع الحيل واهتم به اهتماماً كبيراً، فقد ألف فصلاً كبيراً كتابه إعلام الموقعين تحدث فيه عن الحيل والقائلين بها وأمثلتها وأدلة تحريمها، ثم أردف ذلك بذكر أنواع من الحيل أجازها وصاغها على طريقته. وعرف الحيلة بقوله: «المخادعة هي الاحتيال والمراوغة بإظهار أمر جائز للوصول به إلى أمر يبطنه) (3). محرم
ويقول الطاهر ابن عاشور: «التحيل يفيد معنى إبراز عمل ممنوع شرعاً، في صورة عمل جائز أو إبراز عمل غير معتد شرعاً، في صورة عمل معتد به … فالتحيل هو ما كان المنع فيه شرعياً والمانع الشارع. فأما السعي إلى عمل مأذون بصورة غير صورته، أو إيجاد وسائله فليس تحيّلاً، ولكنه يسمى تدبيراً أو حرصاً أو ورعا).
ومن تلك الأقوال لأولئك الفقهاء نخلص: أنّ الحيلة لها معنيان: معنى عام يدخل فيها كل حيلة مباحة أو محرمة، ومعنى خاص وهي الحيلة المحرمة التي تناقض مقصد الشارع، وتؤدي إلى مآلات ضررية فاسدة بتحريم حلال وتحليل حرام أو بإسقاط واجب.
ويرى الباحث أن يُطلق اسم الحيلة على الحيل المحرّمة، واسم المخارج على الحيل الجائزة. فالمخارج: هي كل حيلة أو وسيلة استعملت قصد إيجاد حلّ أو مخرج من حكم شرعي بطريق مشروع جائز، بحيث لا يؤول ذلك إلى هدم مقصد شرعي، ولا إلى مخالفة شرعية في الحكم، مثل ذلك التوصل إلى بيع ملك الغير بمخرج جائز؛ فكثيراً ما تأتي طلبات من سلع لا يملكها التاجر ويعلم محل وجودها لكن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لمالك بن حزام يا مالك بن حزام، لا تبع ما لا تملك» (5). والمخرج من ذلك أن يتواعد البائع مع طالب البضاعة أن يبيعه تلك البضاعة
(1) ابن تيمية بيان الدليل على بطلان التحليل، ص 158. (2) ابن تيمية: بيان الدليل على بطلان التحليل، ص 32. (3) ابن القيم: إعلام الموقعين عن رب العالمين، 160/ 3. (4) الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة، ص 110.
(5) الترمذي: السنن رقم 1232، 534/ 3 النسائي: السنن، كتاب البيوع، باب بيع ما ليس عند البائع، رقم 4613، 289/ 7. ابن ماجه: السنن، كتاب التجارات، باب النهي عن بيع ما ليس عندك، عن ربح ما لم يضمن رقم 2187، 737/ 2.