النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٨٩٩نظرية المآلات: «قاعدة الأمور بمقاصدها»
د. خالد بن محمد بابكر
899
1 - إنّ الحيل مخادعة لله. والصحابة والتابعون سموا ذلك خداعاً، والله ذمّ أهل الخداع من المنافقين، وأخبر أن خداعهم إنما هو خداع لأنفسهم، وأنّ في قلوبهم مرضاً. قال تعالى: يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} (البقرة: 9]، فالمنافقون أظهروا كلمة الإسلام إحرازاً لدمائهم وأموالهم لا لما قُصد منها في الشرع من الدخول تحت طاعة الله على اختيار وتصديق وقد عبروا عن ذلك صراحة بقولهم ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ﴾ (1).
2
- 3
لقد عاتب الله أصحاب الجنة، عندما أرادوا أن يجدوا ليلاً ليحرموا الماسكين الذين كانوا يلتقطون ما يساقط من الثمر، عندما كانوا يجدون نهاراً في زمن أبيهم الصالح فأرسل الله طائفاً على جنتهم وهم نائمون فأصبحت كالصريم عقوبة على احتيالهم في قصدهم بقطف الثمار ليلاً، لمنع المساكين منها (2).
لقد لعن
الله
عليهم
الله أصحاب السبت ومسخهم قردة وخنازير لاحتيالهم على فعل ما حرّم من الصيد يوم السبت، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَسِينَ﴾ [البقرة: 65]، فقد عاقبهم الله؛ لأنَّهم كانوا يحفرون للحيتان حياضاً يفتحونها عشية الجمعة، وتأتي الحيتان إليها السبت فيأخذونها الأحد لذلك قال الله تعالى
يوم
يوم
مشنعاً عمل المحتالين: ﴿وَسَئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (الأعراف: 163).
4 - قوله صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى (3)، فقد أخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم أن الأعمال تابعة لمقاصدها ونياتها، وأن ليس للمكلف من عمله قولاً أو فعلاً إلّا ما نوى، فمن نوى
التحليل كان محللاً، ومن نوى الربا كان مرابياً، ومن نوى الخداع والمكر كان مخادعاً.
5 - نصوص كثيرة من السنة تحرّم التحيل على شرع الله بالإتيان بأمور ظاهرها الجواز للوصول بها إلى أمور محرمة من ذلك:
قال: «قاتل
الله اليهود إن
الله لما
حرم شحومها جملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه» (4).
(1) ابن القيم: إعلام الموقعين 162/ 3. الشاطبي: المرجع السابق، 380/ 2. (2) ابن تيمية بيان الدليل ص 61. ابن القيم: إعلام الموقعين، 112/ 3. (3) الحديث سبق تخريجه
(4) البخاري: الصحيح، كتاب البيوع، باب بيع الميتة والأصنام، رقم 2121، 779/ 2 مسلم الصحيح كتاب المساقاة، باب تحريم بيع الميتة والخمر والخنزير والأصنام، رقم 1583، 1208/ 3.