النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٩٠٢

902

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

- موقف الفقهاء من الباعث غير المشروع:

لا خلاف بين العلماء والفقهاء، في أنّ الباعث غير المشروع إذا أسفر عنه التعبير الإرادي التعاقدي بأن ذُكر في صلب العقد، أو شرطه أحد المتعاقدين فإنّ ذلك يؤثّر في العقد ويسقط باطلاً لاقترانه بشرط باطل).

أما إذا لم يذكر في العقد، ولكن علم به أحد المتعاقدين أو كانت القرائن تدل عليه، فإنّ الفقهاء اختلفوا في الحكم على ذلك العقد، صحة أو بطلاناً بحسب موقف كل واحد منهم تجاه الباعث غير المشروع الذي لم يذكر في العقد.

هناك اتجاهان مختلفان ومتقابلان في

المسألة:

الاتجاه الأول: يأخذ بالنظرة الموضوعية الظاهرة، فلا يعتد بالباعث غير المشروع إلّا أن يُذكر في صلب العقد، وهذا الاتجاه أخذ به المذهب الشافعي والمذهب الحنفي والظاهري. الاتجاه الثاني: يأخذ بالنظرة الذاتية فالباعث غير المشروع معتبر في العقود والتصرفات، فتسقط تلك العقود باطلة إذا عُلم به، أو ظهرت قرائن تدل على وجوده وأخذ بهذا الاتجاه كل من المذهب الإباضي والمالكي والحنبلي.

الاتجاه الأول:

ويحمل لواءه الإمام الشافعي الذي اتجه اتجاهاً موضوعياً بحثاً في مسألة الباعث، حيث اعتد فقط بالإرادة الظاهرة للتعاقد ولم يأبه بالإرادة الباطنة الباعثة ذلك أنّ الباعث أمر نفسي خفي مضطرب ومتغير وغير منضبط، فهو لا يدخل في التعاقد.

فالعقد متى توفرت كامل شروطه وأركانه ومستلزماته من إيجاب وقبول وأهلية العاقدين وأهلية المحل لحكمه، فإنّ حكم هذا العقد هو الصحة، أما الباعث غير المشروع الذي يحمله المتعاقدان فلا يؤثر في العقد، ولا يُنظر إليه وكأنّه غير موجود إلا إذا ذُكر صراحة في العقد، بأن اشترطه أحد المتعاقدين أو اتفقا عليه. فإنّه بذكره يصبح أمراً موضوعياً محدداً، بعد أن كان أمراً نفسياً. فحينئذ فقط يؤثر في الحكم على العقد فيسقط ذلك العقد باطلاً بالشرط الفاسد. والإمام الشافعي أوضح من بنى نظرية موضوعية تجاه الباعث غير المشروع. فكانت نظريته

واضحة المعالم تتناسق معها جميع الفروع الفقهية فقد أرادها مبدأ فقهياً وليس حكماً فقهياً.

(1) وحيد الدين سوار: التعبير عن الإرادة في الفقه الإسلامي، ص.516. فتحي الدريني: النظريات الفقهية، ص 232. نظرية التعسف في استعمال الحق، ص 211.