النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٩٠٣

903

|

نظرية المآلات: «قاعدة الأمور بمقاصدها»

د. خالد بن محمد بابكر

فقد صرّح في كتابه «الأم» قائلاً: «أصل ما أذهب إليه أنّ كل عقد كان صحيحاً في الظاهر، لم أبطله بتهمة ولا بعادة بين المتبايعين، وأجزته بصحة الظاهر وأكره لهما النية إذا كانت النية لو ظهرت تفسد البيع، وكما أكره الرجل أن يبيع العنب ممن يراه يعصره خمراً، ولا أُفسد عليه البيع إذا باعه إياه؛ لأنَّه باعه حلالاً أبداً، وقد يمكن أن لا يجعله خمرا أبداً، وفي صاحب السيف أن لا يقتل به أحداً، وكما أفسد نكاح المتعة ولو نكح رجل امرأة عقداً صحيحاً وهو ينوي أن لا يمسكها إلا يوماً أو أقل أو أكثر لم أفسد النكاح وإنما أفسده بالعقد الفاسد».

فالإمام الشافعي يصرح بأنّ القصد السيئ لا يؤثر في العقد ما دام العقد صحيحاً مستوفياً لجميع شروطه. وقد كان لوضوح الإمام الشافعي لمسألة الباعث غير المشروع، وتحريره إياه تحريراً وافياً شافياً أثر بالغ عند فقهاء الشافعية من بعده، فقد ساروا على نهجه فطبقوا نظرته الموضوعية في معظم المسائل الفقهية، فصححوا عقد بيع العنب لعاصره خمراً)، كما صححوا عقد نكاح التحليل)، وصححوا عقد العينة (4) كما لم يؤثر الباعث غير المشروع في مسألة «طلاق المريض مرض الموت في عدم إرث زوجته المطلقة. فقد حكموا بالطلاق وحرمان الزوجة من ميراث زوجها المتعسّف في حق الطلاق في مرض موته (5).

أما الحنفية، فإنّ موقفهم لا يختلف كثيراً عن موقف الشافعية، فهو يتجه في غالب مواقفهم اتجاهاً موضوعياً، فلا يعتد بالباعث غير المشروع إلّا إذا ذكر صراحة، أو تضمنته صيغة العقد فقد صححوا بيع العنب لعاصره خمراً، كما صححوا عقد التحليل شأنه في ذلك شأن المذهب الشافعي، إلا أنّ المذهب الحنفي عدّل عن الموضوعية إلى الذاتية في الحالات التي يمكن فيها استخلاص الباعث غير المشروع من طبيعة العقد أو من الظروف والملابسات والقرائن المحتفة بالعقد.

1 - ظهور الباعث من خلال طبيعة العقد:

فقد أفتى الحنفية بعدم مشروعية عقد العينة وسقوطه باطلاً؛ لأنَّ طبيعة العقد تحمل باعثاً غير مشروع، فالعقد الأول لم يُستوف ثمنه فلا يجوز أن يُبنى عليه العقد الثاني؛ لأنَّ في ذلك معنى الربا، والعقدان إنّما جُعلا وسيلة لتحقيق المعنى المحظور، فطبيعة عقد العينة هي بيع عشرة إلى

أجل مقابل سبعة نقداً وهذا هو الربا).

(1) الشافعي: الأم، 65/ 3.

(2) الشربيني: مغني المحتاج 10/ 2. الشيرازي: المهذب، 267/ 1.

(3) النووي: المجموع 249/ 16. القفال حلية الأولياء، 132/ 7.

(4) الشربيني: المرجع السابق، 39/ 2. النووي: روضة الطالبين 416/ 3. الرملي نهاية المحتاج، 477/ 3.

(5) الشافعي: الأم، 270/ 3. النووي: روضة الطالبين 72/ 8.

(6) ابن عابدين رد المحتار 273/ 5. ابن نجيم: البحر الرائق، 256/ 6.