النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٩١٣

الذرائع فتحاً وسدّاً

د. إبراهيم البيومي غانم

913

في

ثانية السوابق هو كتاب وائل حلاق عن تاريخ النظريات الفقهية في الإسلام: مقدمة أصول الفقه السني). وهو عمل علمي رصين؛ حاول فيه أن يبين تأثير التغيرات السياسية والاجتماعية التي مرت بها المجتمعات الإسلامية على منهجية التفكير الفقهي. وأراد أن يعرف كيف ولماذا تعدّلت الأوزان النسبية لمكونات النظرية العامة لأصول الفقه مثل الإجماع، والقياس، والعرف، وما يلحق بذلك من استحسان ومصالح مرسلة واستصحاب وأنعم نظره كثيراً في الإمام القرافي ابن القرن السابع الهجري الذي أدخل فكرة السياق المجتمعي بشكل واضح وممنهج في محاولة فهم النصوص واستنباط دلالاتها. وفعل الشيء نفسه مع أئمةٍ آخرين منهم الشاطبي ابنُ القرن الثامن الهجري. وبيَّن كيف تأثر في موافقاته واعتصامه بما آلت إليه الأحوال السياسية والاجتماعية في زمنه ووصل حلاق إلى عصرنا وميز فيه بين مدرستين: الأولى سماها: «المنفعية الدينية التي صاغ أنصارها نظريتهم الفقهية على أساس المصلحة؛ وإن أدى بهم ذلك إلى الخروج على بعض أصول الفقه بحسب رأيه الذي لا نوافقه عليه - والثانية سماها «التحرر الديني وأنصارها في رأيه أكثر تماسكاً في تأصيلهم من أنصار المدرسة الأولى، وهو رأي لا نوافقه عليه أيضاً. وأياً كان الرأي في ما قدّمه حلاق؛ فدراساته مهمة ومفيدة في سياق الطريق

الطويل لبناء علم اجتماع الفقه.

ثالثة السوابق وهي الأحدث والأهم من منظور الدرس الاجتماعي، هو ما قدمه علي محمد حاضري تحت عنوان «الفقه وعلم الاجتماع: دراسة في الروابط والصلات. ورغم صغر حجم هذا البحث؛ إلا أنه يقتحم المشكلة بجسارة، وينبّه بشكل مباشر إلى ضرورات تطوير البحوث والدراسات الاجتماعية في مجال الفقه. وينبه أيضاً إلى تطوير البحوث والدراسات الفقهية بمنظور اجتماعي واسع وعملي وميداني. ويضرب عدداً من الأمثال التي يدلّل بها على صواب القول بتأثير التغير الاجتماعي في الاجتهاد الفقهي بأكثر مما يؤثر هذا الاجتهاد في وقائع عملية التغير ذاتها ويحلّل طاهري قضايا الاستبداد والعدالة الاجتماعية، والمرأة، وبطء التغير الثقافي وأثره على تكليف المكلفين، ويشير ببراعة إلى المراحل الانتقالية» أثناء عملية التغير الثقافي، وكيف يتعين أن تنعكس على الاجتهادات الفقهية، وكيف تؤثر على أحوال المكلفين الذين يمرون في تلك المراحل. ويتساءل كذلك عن أثر كل هذا على «العرف» وعلاقته بعمليات الحراك الاجتماعي، مع ما للعرف من مكانة مرموقة في عملية استنباط الأحكام الشرعية.

(1) وائل حلاق، تاريخ النظريات الفقهية في الإسلام: مقدمة في أصول الفقه السني (بيروت، دار المدار الإسلامي، 2007). (2) علي محمد حاضري الفقه وعلم الاجتماع: دراسة في الروابط والصلات في الاجتهاد وإشكاليات التطوير والمعاصرة، الجزء الأول (بيروت، معهد الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم العالي للشريعة الإسلامية، 2003)، ص 93، 108.