النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٩١٥

الذرائع فتحاً وسدّاً

د. إبراهيم البيومي غانم

915

الأمثال تتكرر هي هي؛ لأكثر من ألف سنة من دون أن يتصدى أحدهم لتحديثها بما يجعلها مستوعبة لوقائع التغير الاجتماعي وتحولاته من حقبة إلى حقبة؟ وما أثر هذه الظاهرة على فاعلية القاعدة موضوع اهتمامنا هنا؛ أعني «سد الذرائع وفتحها في الممارسات الاجتماعية؟ ثم ما الذي تكشف عنه الوقائع الفعلية لهذه القاعدة عندما وجدت طريقها إلى التطبيق أحققت أهدافها «سداً وفتحاً»؟ أم لا؟ ولماذا؟ وإذا كان سد الذرائع طريقاً من عشر طرق للاجتهاد في تقدير المصلحة في النوازل التي لم يرد فيها بعينها نص)؛ فلماذا آل أمر قاعدة الذرائع في الممارسة إلى تغليب «السد»، على «الفتح» في ما يخص العبادات والمعاملات الفردية، وتغييب ما يدخل في «المصالح العامة مثل الخدمات والمرافق العامة، وأمور السلم والحرب؛ عن متناول الاجتهاد وفق هذه القاعدة؛ اللهم إلا في حالات نادرة، والنادر لا حكم له كما يقول أهل الأصول؟

(1)

تلك بعض التساؤلات التي نحاول الإمساك بأطراف الإجابة عليها بعد هذه المقدمة في قسمين وخاتمة. أما القسم الأول ففيه نبحث مشكلة «الأمثال الشارحة المستعملة في معظم كتب الفقه وأصوله لشرح قاعدة «الذرائع سداً وفتحاً». وفي القسم الثاني: ندرس عدداً من الأمثال التطبيقية لهذه القاعدة قديماً وحديثاً لمعرفة مدى وظيفيتها في تحقيق غاياتها في السد لدرء المفاسد، والفتح لجلب المصالح. أما في الخاتمة فتحاول بيان الخلفيات الاجتماعية «لأزمة سد الذرائع وفتحها في الواقع المعاصر لمجتمعاتنا مع إطلالة عامة على ما نسميه نموذج التفكير بالسد والاحتياط» وجدواه من منظور التغير الاجتماعي وسننه التي لا تتبدل والله تعالى هو المعين، ومنه وحده السداد والتمكين.

أولاً: في نقد الأمثال الشارحة لـ «سد الذرائع وفتحها» «الأمثال» الشارحة التي نصادفها في كتب الفقه وأصوله، هي أحد المفاتيح الذهبية التي تساعدنا على فتح مغلقاتِ العلاقة بين نظريات الفقه وقواعده في مستواها التجريدي من ناحية، وتطبيقاتها في مستواها العملي والممارسات المجتمعية لها العملية من ناحية أخرى. ينطبق هذا على نظرية المصلحة، ونظرية الاحتياط مثلاً، كما ينطبق على قاعدة «الذرائع سداً وفتحاً»، وقاعدة «درء المفسدة وعلى غيرهما من القواعد في المثال يتضح المقال» أو «الحال» ليس فقط كما

(1) حسين حامد حسان نظرية المصلحة في الفقه الإسلامي (القاهرة، مكتبة المتنبي، 1981)، ص (ط). (2) هناك مفاتيح أخرى تساعد على فتح مغلقات تلك العلاقة منها مثلا الفتاوى وأحكام القضاء، ولكن كلامنا مقتصر في هذا البحث على «الأمثال المضروبة في بعض مؤلفات الفقه وأصوله.