النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٩١٦916
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
قالوا قديماً؛ وإنما يكشف «المثال» جوانب من الواقع، وقد يؤشر على الميل العام في الممارسات الاجتماعية التي هي منتهى إرادات واضعي تلك القواعد والنظريات؛ وإلا لما كان لها من فائدة، ولما كان من معنى لقولهم لا خير في علم لا ينبني عليه عمل».
وإذا نظرنا ملياً في «الْمَثلِ» الذي يستخدمه المجتهد الأصولي أو الفقيه، سنجد أنه بمثابة المرآة التي ترتسم فيها ملامح العملية الاجتهادية. وبقدر براعته في ضرب المثل والإتيان به في محله، بقدر نجاحه في إنجاز مهمته الاجتهادية والتعليمية في آن واحد. إن «الأمثال» هي خير تعبير عن عمق التجربة الاجتهادية والاجتماعية الفردية والجماعية معاً؛ وهذا بعض ما نستشفه من عناية القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف بضرب الأمثال» لغايات منهجية وتعليمية وتربوية وسلوكية وتغييرية متعددة؛ منها: البيان، والإقناع والتذكير والتحذير والإرشاد والاعتبار، والإصلاح … إلخ. وفي رأينا أن «اختيار» الأمثال التي يسوقها العلماء، في معرض حديثهم عن قاعدة «الذرائع» وغيرها من قواعد الفقه وأصوله؛ إنما هو عملية بالغة الدقة والحساسية؛ لأن الإخفاق في اختيار «المثال» الشارح المناسب، يهدمُ جهدَه كله ويطرحه سدى. وغالباً ما تكون مادة «المثالِ» مقتبسةً من معطيات الواقع، ومنتمية إلى مجال الحسّ الاجتماعي المشترك»، وتعبّر عن قناعات سائدة أو ماثلة في مدركات السواد الأعظم من الناس ولكن الأمثال قد تكون افتراضية» في بعض الأحيان بغرض التدرب على التفكير في المستقبل، أو لتوسيع الأفق ولو بالرياضة العقلية من دون الوصول إلى حد مبالغة «الأرأيتيين»، وأيضاً قد يكون هدفها هو توقع مآلات الأفعال في قابل الأيام. وفي الأحوال يكون توظيف الأمثال «الواقعية» و «الافتراضية من أجل استثمار سلطتها في تحصيل جميع الاقتناع بصحة ما يقول هذا المجتهد أو ذاك.
ارتباط «المثال» بسياقه المجتمعي، مسألة تبدو ضرورية؛ حتى ولو كان المثال من النوع «الافتراضي». إذ يستحيل مثلاً أن يطراً على ذهن مجتهد من أبناء القرن الثاني الهجري أن يشرح لطلابه قاعدة سد الذرائع في مسألة تختلط فيها المصالح مع المفاسد بأن يضرب مثالاً شارحاً لهم بصفقة طائرات إف 16، أو صفقة سيارات دفع رباعي. ولكن الأرجح هو أن ذلك المجتهد كان عليه أن يلتقط واحدة من المعاملات السائدة في بيئته، وهو ما حدث فعلاً وورد مثلاً في موطأ «ابن وهب» (197 هـ/795 م). ففيه مثال «حمار (ربيعة الشهير الذي ولد السادة المالكية منه أربعاً
وعشرين
مسألة في باب «سد الذرائع».
وبمعايير زمنهم ومعطيات مجتمعهم الذي عاشوه وعايشوه، فإن مثالهم الشارح (حمار ربيعة) قد أدى وظيفته وأنهى مهمته، ولا تثريب عليهم في ما قالوه أو فعلوه أما غير المقبول وغير المعقول أيضاً أن يظل حمار (ربيعة يتردد كمثال مرجعي شارح لأبناء القرن الخامس عشر الهجري على