النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٩١٧

الذرائع فتحاً وسدّاً

د. إبراهيم البيومي غانم

917

لسان أحد أشهر علمائه، وهو يقول قبل بضع سنين: «مسألة حمار ربيعة ذكرها ابن وهب

عنه

في

موطئه قال: حدثني الليث بن سعد قال كتب إلي ربيعة يقول في رجل باع حماراً بعشرة دنانير سنة، ثم استقاله فأقاله دينار عجله له، وآخر باع حماراً … إلخ)!!. ولا يخطر على بال أحد من بربح معاصرينا أن يضرب مثالاً جديداً، يكون أكثر ملاءمة لتوليد مئات المسائل في سد الذرائع التي تجلب المفاسد وتضيع المصالح بكفاءة منقطعة النظير في زمننا هذا لن نطالب هذا الفقيه المعاصر أو ذاك بالتمثيل بصفقة «إف 16»، أو «سيارات دفع رباعي»؛ رغم أهميتها في دفع العقل الاجتهادي إلى النظر في صميم المصالح والمفاسد العامة التي تشمل مجتمعنا المعاصر كله؛ وإنما نطالبه على الأقل بمثال «صفقة قمح» مستوردة من روسيا، أو أمريكا أو حتى صفقة ملابس جاهزة واردة من الصين أو الهند، ويتخذها مثالاً شارحاً، أو حالة تدريبية على كيفية إعمال قاعدة «الذرائع فتحاً وسداً» بحساب المصالح والمفاسد. ترى لو أن ربيعة حياً بين أظهرنا اليوم أكان يسأل عن حمار ثمنه عشرة دنانير؟

ليس من العسير ـ بعكس ما كنت أتوقع - حصر الأمثال المضروبة في شرح قاعدة «الذرائع فتحاً وسداً»، رغم كثرة المؤلفات الأصولية والفقهية التي تناولت هذه القاعدة قديماً ووسيطاً وحديثاً، وخصوصاً في أصول المالكية والحنابلة وفروعهم، وشروحهم، وحواشيهم، وهي موجودة أيضاً ولكن بدرجة أقل كثيراً لدى غير هؤلاء وأولئك. وقد خلصنا من حصرها إلى أن هناك ما لا يزيد على ثلاثين من الأمثال الأساسية الشارحة؛ هي التي نجدها شارحةً ومهيمنةً على غالب تلك المؤلفات في باب سد الذرائع وفتحها».

وتدور عملية الاجتهاد في القول بالسد أو بالفتح طبقاً للشروط والتقسيمات التي وضعها الأصوليون أمثال القرطبي (ت: 410 هـ) صاحب أقدم تقسيم للذرائع، والقرافي، والزركشي، والشاطبي، وابن تيمة، وابن القيم والغزالي وغيرهم ممن أتى بعدهم وكرر أقوالهم؛ على ما بينهم من اختلافات في تلك التقسيمات، أو من مطارحات في تقدير شروط إعمال «سد الذريعة أو فتحها، ومن أرادها فليلتمسها هناك في كتبهم.

وبعد أن تتبعنا الأمثال الشارحة لقاعدة الذرائع في المؤلفات المشار إليها، ودرسناها دراسة أولية وجدنا أن سماتها الرئيسية تتمثل في أنها متركزة أساساً في «العقائد والعبادات»، وفي «المعاملات»، ثم العدد القليل منها في العادات والأعراف، والعدد الأقل في «الجنايات

(1) المسألة واردة في موطأ ابن وهب، وفي كثير من المصادر الأخرى انظر مثلاً: ابن عبد البر، الاستذكار، تحقيق: سالم محمد عطا ومحمد علي معوض (بيروت، دار الكتب العلمية، 1421 هـ /2000 م). وانظر تردادها في بحوث حديثة كثيرة نقلاً عن ابن عبد البر، منها مثلاً عبدا الله بن بيه، سد الذرائع وتطبيقاته في مجال المعاملات (جدة: سلسلة محاضرات العلماء البارزين رقم 23، المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب البنك الإسلامي للتنمية، (1417 هـ/1996 م).