النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٩١٨918
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
والجزاءات»، ولا نكاد نصادف في تلك المؤلفات مثالاً يتناول مسألة من مسائل «المصالح» العامة، أو قضيةٍ من قضاياها. وتلك السمات لم تفارق غالب مؤلفات الفقه وأصوله منذ بدايات عصر التدوين إلى العصر الحديث.
فمعظم تلك المؤلفات تستنسخ الأمثال نفسها ولئن ساغَ ذلك في الأزمنة السابقة؛ حيث كانت تلك الأمثال تؤدي وظيفتها الشارحة، والمسهمة أيضاً في تكوين الوعي العام، نظراً لثباتها النسبي؛ لأن التغير الاجتماعي كان يجري بوتيرة بطيئة وغير محسوسة، وكان الأمر يستغرق وقتاً طويلاً حتى يحل شيء جديد محل شيء قديم؛ فما مسوغ استمرار المحدثين من أصوليين وفقهاء في استنساخ تلك الأمثال نفسها؟ وقد عدت عليها عوادي التغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والسلوكية؛ حتى باتت تلك الأمثال قديمة شاحبة المعنى، ومتيبسة الدلالة، وبات استرجاعها عملاً غريباً في سياق المعطيات الاجتماعية المعاصرة.
ففي ذرائع العبادات والعقائد نجد باستمرار أمثال: «سبّ الأوثان»، «وسب الرجل والديه»، ومن شك في وضوئه أو صلاته»، و «المتحيرة في الحيض، ورجل له ثوبان أحدهما طاهر، والآخر نجش لا يستطيع تمييز أحدهما عن الآخر، يصلي عرياناً على أحد الأقوال!»، و «دخول الركبة في حدود العورة»، و «الأسير يلتبس عليه دخول شهر رمضان»، و «من لبس خفيه فأحدث، ثم مسح، فشك: هل كان قبل الصلاة أم بعدها؟!».
وفي ذرائع المعاملات الاقتصادية نجد باستمرار أمثال: حفر بئر في طريق المسلمين، وجميع بيوع الآجال التي يمثلون لها إلى اليوم بحمار ربيعة كما عند المالكية، وبيع السلاح في زمن الفتن، وبيوع الغرر التي يمثلون لها إلى اليوم ببيع السمك في الماء، والطير في الهواء، وبيع المرء ما في وبيع «عسب الفحل»، و «شاة من قطيع). وما درى معاصرونا أن «الهاتف النقال» قد أزاح أكثر من ثلاثة أرباع الحاجة إلى فقه بيوع الغرر»؛ حيث خفضت الاتصالات الحديثة وسهولتها احتمالات الجهالة وما يترتب عليها من ضرر» هما «على» تحريم بيوع الغرر.
کمه،
أما في الذرائع ذات الصلة بالعادات والأعراف والسلوكيات الاجتماعية، فالأمثال أقل عدداً وأقل انتشاراً، ومنها: التبول في الطريق العام والتصرّف مع «الخنثى المشكل»!، و «التجاور في سكنى البيوت»، و «دخول الحمامات العامة لغرض النظافة، ولعب الشطرنج»، و «نار في ملك امتدت للغير»، و «جاريةٌ مشتركة بين اثنين»!!.
ما لاحظناه في «الأمثال المضروبة في المجالات السابقة هو أنها باستثناء مثالين أو ثلاثة تكاد تندرج كلها في الاستدلال على «سد» ذريعة، أو احتياط من مفسدة متيقنة، أو يغلب على الظن
(1) الصديق محمد الأمين الضرير، الغرر وأثره في العقود في الفقه الإسلامي (بيروت، دار الجيل، ط 2، 1990)، ص 76 - 77.