النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٩١٩

الذرائع فتحاً وسدّاً

د. إبراهيم البيومي غانم

919

وقوعها. وليس منها أمثال على «فتح» ذرائع إلى جلب مصالح في أي من تلك المجالات. اللهم إلا مثال «عدم المنع من زراعة العنب بحجة أن يتخذ خمراً، والسماح بمجاورة البيوت رغم خشية وقوع الزنا. هذا بالرغم من أن الجميع يسلمون بأن «الذريعة كما يجب سدها، يجب فتحها»، ويستذكرون مقولة الشاطبي، والقرافي من بعده التي يقول فيها: «واعلم أن الذريعة كما سدها يجب فتحها، ويكره ويندب ويباح .. ».

يجب

هو

وأما في ذرائع العقوبات والجزاءات الجنائية، فهي وإن كانت قليلة العدد مقارنة بالأمثال في المجالات السابقة؛ إلا إن معظمها يندرج في خانة فتح الذرائع والمثير للانتباه هنا أن «السلطان»، أو «القاضي»، هو من رخصوا له في التصرف من باب «فتح الذرائع» في «الجنايات» على ما يظهر من الأمثال التي ضربوها. وأكثرُ الأمثال شهرة قال بها المالكية، ومنها: أن لولي الأمر «التعزير» الشديد في أمور ليست فيها حدود منصوصة، ولو أتى التعزير على نفس المتهم. قال خليل: «وعزر الإمام لمعصية الله، أو لحق آدمي، وإن زاد على الحد، أو أتى على النفس» (2). ومنها أن للقاضي أن يحكم بما يدلُّ عليه ظاهر الشهود إذا زكاهم الثقات، وألا يرد شهادتهم لمجرد الاحتياط» (3).

وهناك مثال ثالث يخص «سارق الكفن نباش القبور (4). وقد تجادل في عقوبته الحنفية قديماً، ولا يزال المحدثون يستعيدون المثال نفسه، مثلما يستعيدون غيره من الأمثال القديمة من دون أي تغييرا رغم أنها توارت أو كادت تتلاشى من المخيال الاجتماعي لانقطاعها عن الواقع المعاصر؛ الذي بزغت فيه أمثال أكثر خطراً تصل إلى سرقة المال العام، ونهب البنوك، وتصل إلى سرقة الوطن»، وهو بلا شك أهم من مسألة سرقة الكفن.

لا تدل الأمثال النادرة» في مسائل الجنايات والعقوبات على وجود فجوة» معرفية، وتهميش لمسائل أكثر أهمية؛ وإنما تدل تلك الأمثال أيضاً على ميل جارف نحو فتح باب الذرائع على مصراعيه للحاكم (السلطان) كي يفعل ما يشاء من منظوره الأمني؛ حتى لو «تجاوز الحد وأتى على النفس»، على ما جاء في مختصر خليل. والمُشكل هنا ليس في أننا نعاند في حق السلطان في «التعزير لاعتبارات أمنية، أو نقلل من حق القاضي فيه لاعتبارات حقوقية؛ وإنما معاندتنا في كيفية

449

(1) القرافي، الفروق (بيروت، دار الكتب العلمية .. )، ج 61/ 2. وانظر أيضاً: شرح تنقيح الفصول، ص) (2) المثال في مختصر خليل (ت: 776 هـ / 1374 م)، وأعاد استنساخه الشيخ ابن بيه في بحثه السابق ذكره، ص 62. (3) محمد عمر سماعي: نظرية الاحتياط: دراسة تأصيلية تطبيقية (رسالة دكتوراه، الجامعة الأردنية، كلية الدراسات العليا، 2006)، ص 221.

(4) انظر المرجع السابق حيث استعاد الباحث - وهو متميز - المسألة بحذافيرها من دون أن يعقب عليها بشيء في رسالته:

ص

382 - 380