النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٩٢١الذرائع فتحاً وسدّاً
د. إبراهيم البيومي غانم
921
والرسوم المتحركة لتعليم الأطفال المثل العليا، ومعظم هذه الأمثال وجدتها في فتاوى دار الإفتاء المصرية في أيام الشيخ جاد الحق.
أما إلياس بلكا، فقد التفتَ إلى قصور التعليل الفقهي في بيوع الغرر، وسود أكثر من عشر صفحاتٍ في سرديات فقهية وأصولية وأمثال شارحة للموضوع من دون أن يطرح سؤال الواقع الأهم وهو: هل لا تزال عقود الغرر تحتل في واقع المجتمع اليوم؛ نفس الحيز الذي كانت تحتله إلى مطالع القرن الرابع عشر الهجري على أكثر تقدير؟ وكم يا ترى تأثر حجم «بيوع الغرر» بصيغها التي شرحتها قديماً كتب الفقه وأصوله - تحت تأثير انتشار التعليم، وتطور وسائط نقل المعلومات وسهولة تداولها عن أكثر المعاملات بفضل ثورة الاتصالات، ونظم المحاسبة والشفافية؟؟ أليس من الأولى أن ننحت تسميةً جديدةً هي «بيوع الضرر»؛ ونمثل لها بعقود بيع ثروات الأمة من غاز ونفط، وعقود امتيازات للشركات الأجنبية التي تنقب عن الثروات وتستغلها، أو امتيازات لدول أجنبية تقيم قواعد عسكرية في بلادنا؛ أو عقود بيع الديون القومية وما يترتب عليها. وفي هذه الحالات غالباً ما يكون الشعب كله هو المغرّر به، وربما وقعت معه حكومته في الغرر نفسه. وفي مثل هذه الحالات والأمثال لا تغني شيئاً مستويات التعليم العالية ولا تكنولوجيا المعلومات وسهولة تداولها ولا الشفافية وأنظمتها. أليس البحث في مآلات عقود الضرر من هذه الأنواع أحق بتطبيق قاعدة «سد الذرائع ونظرية الاحتياط؟ وما الذي نخسره إن نسينا حكاية «بيعُ الرجل ما في كُمِّهِ» كمثال شارح لسد الذريعة في بيع الغرر، مقابل أن ننشغل بمثال بيع الدين القومي الغارقة فيه بلد من بلادنا؟ (). السابقون كان عندهم مبررات قوية للاهتمام بذلك النوع من البيوع وضربوا لها الأمثال المناسبة للمعطيات الاقتصادية والثقافية لمجتمعهم الذي عاصروه؟؟ فما حجتنا نحن؟ الشيخ وهبة الزحيلي انفرد عن الفقهاء المعاصرين عندما أثار مسألة «الذرائع في السياسة الشرعية». وكشف عن الصلة بين قاعدة سد الذرائع والسياسة الشرعية». فبعد أن عرفها بتعريف الشيخ خلاف والشيخ تاج وغيرهما من المعاصرين؛ أشار إلى أن فائدة السياسة الشرعية هي مسايرة التطورات الاجتماعية»، فكأنه يقدم إقراراً بأن «الفقه ليس من عمله مسايرة تلك التطورات الاجتماعية ثم أضاف دليلين يؤكدان استنتاجنا هذا وهو يبرهن على شرعية «السياسة الشرعية». وأول الدليلين هو تغير الظروف والأحوال، والثاني قاعدة سد الذرائع، وقاعدة العرف» باعتبارهما من أصول أحكام هذه السياسة).
(1) لم نشأ التطرق إلى الأمثال التي ينهمك فيها بعضهم وهم يشرحون قاعدة الذرائع، مثل: حظر قيادة النساء للسيارات، ومنع افتراش جلود السباع للجلوس عليها سداً لذريعة الكبر وتحريم الدش سداً لذريعة رؤية الصور الخليعة، وتحريم نسبة المطر إلى النوء سداً لذريعة الشرك، ومنع الزوجة من الاطلاع على رسائل الأس أم أس التي تأتي لزوجها على هاتفه … إلخ؛ لأن هذ النمط من الأمثال الجديدة تضيق الصدر، وتفوّت الوقت في ما لا طائل منه.
(2) الزحيلي، الذرائع في السياسة الشرعية، مرجع سابق، ص 10 - 11.