النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٩٢٢922
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
مع
وليس هذا هو
أهم ما قاله الشيخ وهبة؛ وإنما الأهم هو إشارته العابرة في سطر واحد فقط من كتابه بقوله: «مبدأ سد الذرائع لا يُنظر فيه فقط إلى النيات والمقاصد الشخصية، بل يقصد ذلك إلى النفع العام، أو دفع الفساد العام). ولم يرجع بعد ذلك في كتابه إلى السياسة الشرعية، ولم يشبع هذه الفكرة الجديدة التي أتى بها - ربما لأول مرة - ولكنه انهمك في سردية أصول فقه الذرائع وأمثالها الشارحة المستنسخة من كتب القدماء، وتاهت فكرته الجديدة في خضم هذه السردية، ولم يتذكرها إلا في الفقرة الأخيرة من خاتمة كتابه عندما قال: «باب سدّ الذرائع هو من أعظم الأبواب التي تدخلُ منها السياسة الشرعية للعمل على إصلاح شؤون الأمة، والأخذ بها في الجادة وطريق الاستقامة والنهوض بها على الأسباب القوية القويمة من قواعد الشريعة؛ فإن وليَّ الأمر إذا رأى شيئاً من المباح قد اتخذه الناس - عن قصد - وسيلة إلى مفسدة، أو أنه لسبب فساد الزمان أصبح يفضي إلى مفسدة أرجح مما قد يفضي إليه من المصلحة ـ كان له أن يحظره، ويسد بابه، ويكون ذلك من الشريعة وعملاً بالسياسة الشرعية التي تعتمد في ما تعتمد على قاعدة سد الذرائع. نلاحظ هنا أن الشيخ لم يوضح كيف يتم التحقق من أن الناس اتخذوا مباحاً عن قصد وسيلة لمفسدة؟ وكيف نقيس «فساد الزمان»، وما معايير الترجيح بين المفسدة والمصلحة؟
هنا تتجلى أزمة افتقار الفقه وأصوله لمنهجيات العلوم الاجتماعية والإنسانية التي تسهم في الإجابة على هذه الأسئلة حتى يكون هذا الاجتهاد الفقهي قابلاً للتطبيق. والشيء الوحيد الواضح والمحدد القابل للتطبيق الذي قاله الشيخ هو: إن ولي الأمر إن رأى شيئاً من ذلك «كان له أن يحظره ويسد بابه ويكون ذلك من الشريعة عملاً بالسياسة الشرعية».
ما الذي فعله الشيخ وهبة أيضاً؟! أولاً: هو أزاح الصمت التاريخي الذي مارسه الأصوليون والفقهاء تجاه المسائل التي تدخل ضمن المصلحة العامة والمفسدة العامة»؛ وقد وجدنا أنهم لم يمثلوا لها بمثال واحد طوال أكثر من ألف
سنة، ومئتي وهم يتناولون قاعدة الذرائع فتحاً وسداً درساً وشرحاً. وثانياً: هو صرّح بما لم يصرحوا به؛ ألا وهو أن كل ما يدخل ضمن المصلحة أو المفسدة العامة هو من اختصاص «ولي الأمر، وليس للمجتهد الأصولي أو الفقيه دخل في تقديرها؛ باعتبار أن ذلك من «السياسة الشرعية».
ولكن الشيخ وهبة لم يضرب مثالاً واحداً شارحاً لهذا الذي ذهب إليه؛ واكتفى بإحالة الموضوع «لولي الأمر» مستخدماً صيغة المفرد؛ علماً بأن القرآن الكريم تحدث بصيغة الجمع عن «أولي
(1) الزحيلي، المرجع السابق، ص 19.
(2) المرجع السابق، ص 65.