النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٩٢٣الذرائع فتحاً وسدّاً
د. إبراهيم البيومي غانم
923
الأمر في الآيتين اللتين وردت فيهما هاتان الكلمتان: الآية 59، والآية 83 من سورة النساء؛ ما يعني أن النظر في المصالح العامة وتدبير شؤون الناس مسؤولية يشترك فيها أكثر من «ولي أمر واحد. ولا معنى لتعدد أشخاص أولي الأمر إن كانوا من نوع واحد (سلطان أو رئيس)، وإنما يتحقق جمعهم بتنوع اختصاصاتهم. وشيخنا أحال الموضوع برمته لولي الأمر»، ولم يشرك المجتهدين والعلماء في تحمل هذه المسؤولية بحكم اختصاصهم في تقدير المصالح والمفاسد والنظر في المآلات!
مع
وكما أسلفنا، فإنَّ مؤلفات المجتهدين أصوليين وفقهاء»، قدماء ومحدثين؛ خلو - تقريباً - من أمثال شارحة لقاعدة الذرائع في قضايا «المصالح العامة» و «المنافع العمومية». ويبدو أن هذا النوع من المصالح قد أحالوه بـ «صمت» إلى فقه «السياسة الشرعية»؛ بحسب ما نجده في كتبها المتكاثرة منذ القرن الثامن الهجري. وفيها فوَّضوا ولي الأمر في تقدير المصلحة العامة بالتشاور أركان حكمه. ووضعوا تعريفات بالغة الدلالة لمفهوم السياسة الشرعية، كالقول بأنها تعني: «التصرف في عموم مصالح الأمة مما زاد على القضاء والفتيا» كما قال القرافي، وتردد هذا المعنى بمضمونه عند آخرين منهم: ابن نجيم وابن عقيل والطرابلسي قديماً، ومحمد البنا، وعبد الله جمال الدين، وعبد الوهاب خلاف، وعبد الرحمن تاج، وغيرهم حديثاً. ولم يكن باب «السياسة الشرعية» - بالمعنى الذي ذكروه - سوى الباب الملكي لما سيعرف في تاريخنا الحديث باسم الأحكام العرفية وقوانين الطوارئ، ومن ثم تجذير السلطة الاستبدادية وإضفاء «الشرعية» عليها، وحصر اختصاص الاجتهاد الفقهي بمعناه الأصولي في مسائل العبادات والمعاملات الفردية؛ لا الجماعية التي يعج بها واقعنا.
وليس مصادفة أن تتكرر في كتب الفقه المالكي وأصوله - وفي غير المالكي ـ عبارة كالتي نقلها ابن فرحون (ت: 799 هـ) أي قبل ما يقرب من ستمائة سنة في كتابه «الديباج المذهب»، ونصها هو: سلطان جائز سبعين سنة، خير من أمة سائبة ساعة من نهار أو كالتي ذكرها القاضي عياض (ت: (544 هـ) أي قبل ما يقرب من ألف سنة في كتابه إكمال المعلم»: «جمهور أهل السُّنَّة من أهل الحديث والفقه والكلام أنه لا يخلع السلطان بالظلم والفسق وتعطيل الحقوق، ولا يجب الخروج عليه بل يجب وعظه» (2)
(1) القرافي، الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام، بيروت، دار البشائر الإسلامية، 1416 هـ/1995 م
ص 56.
(2) القاضي عياض، إكمال المعلم بفوائد مسلم، تحقيق: يحيى خبلوش المنصورة) دار الوفاء، (1419). وقد استدل بتلك القولة الشيخ ابن بيه في بحثه «الإرهاب: التشخيص والحلول، سلسلة محاضرات منتدى الفقه الإسلامي، جدة، (ب. ت) منشور على موقع: www.fiqhacademy.org.sa