النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٩٢٤

924

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

أتدري لماذا لم تناقش المجامع الفقهية المعاصرة ولو مرة واحدة (الحكم الشرعي في قوانين الطوارئ» و «المحاكم الاستثنائية في أي بلد من بلادنا العربية؟ هل لأنها اعتبرتها من شؤون «المصلحة العامة» التي يختص بها ولاة الأمر، ومجالسهم التشريعية التي لم تخذلهم مرة واحدة في شأن العمل بالطوارئ وأحكام الضرورة القاسية بحسب ما يقدرها «ولي الأمر». أم ثمة أسباب أخرى تتصل بمزدوج «الترهيب والترغيب»؟؟

أياً كان الأمر؛ فإن الأمثال الشارحة لقاعدة الذرائع سداً وفتحاً» باتت تعاني من عدة إشكاليات موضوعية. وهذه الإشكاليات التي أتينا على بعض منها جعلتها معزولة في معظمها عن الواقع المعاصر؛ وخاصةً في ظل استمرار عجز المعاصرين عن تجديدها؛ فضلاً عن إحجامهم عن نقد الموروث منها للتأكد من فعاليتها أو عدم فاعليتها في أداء مهمتها التعليمية والتطبيقية في الواقع الاجتماعي المتغير على الدوام.

والغريب أن المعاصرين في معظمهم لم يتنبهوا إلى أن استحضار الأمثال القديمة إلى عالم الواقع إما أن يفككها من حمولتها التاريخية، ولا يكون ذلك إلا بجهد واع منهم، وإما أن يُبقي على تلك الحمولة ومن ثم يجعل تلك الأمثال مفارقةً للواقع المعيش، وعليه تتدنى فوائدها لأقل قدر. إن اكتفاء الفقيه المعاصر باستنساخ الأمثال القديمة في قاعدة «الذرائع» وفي غيرها، قد أفقده الشعور بنبض الواقع.

وما نلاحظه هو أن جل جهد المعاصرين متجه للتشديد على «الذرائع» من جهة «السد»، أو من باب الاحتياط». وتبلغ هذه النزعة ذروتها باستحضار مقولة «فساد الزمان»؛ فهنالك ينهض الفقيه الأصولي (لسد» ذرائع الفساد العميم، وينهض فقيه السياسة الشرعية للاحتياط من الفتن؛ وتغليب دواعي حفظ النظام والاستقرار على أي اعتبارات أخرى، وبينهما وبسببهما تسود «ثقافة» مترعة بالتردّد والحذر والإحجام عن أخذ زمام المبادرة في كثير من أشغال الحياة ومتطلباتها؛ بدعوى سد ذرائع الفساد والنتيجة هي وجود فجوة كبيرة تحجب النظرية الفقهية عن الممارسات الاجتماعية على اتساعها. والنتيجة هي أيضاً مزيد من تراجع تأثير «الثقافة الشرعية في توجيه مسارات الحياة الاجتماعية. وإذا أضفنا إلى ذلك إشكالية «نقص» الاجتهادات في كيفية نقل قواعد الذرائع إلى أرض الواقع وتحديد المسؤول عن ذلك (فرداً كان أو مؤسسة، أو سلطة ما)؛ لوضح لنا عمق أزمة «النظرية الفقهية» وقواعدها في واقعها المعاصر. وهو ما سنتابع - في البند الآتي - جوانب منه ببحث مثالين أو ثلاثة لهذه القاعدة وهي قيد التطبيق.