النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٩٢٥=
925
الذرائع فتحاً وسدّاً
د. إبراهيم البيومي غانم
ثانياً: مآلات قاعدة الذرائع في التطبيق
في
انصرفَ نقدنا في البند السابق إلى الأمثال الشارحة لقاعدة الذرائع. وقد مارسنا حقنا النقد من منظور اجتماعي/ تاريخي. ويقيني أن لدينا «نظرية فقهية» عملاقة، وأن المجتهدين في الفقه وأصوله شيدوا بناءً رائعاً من القواعد والمبادئ التي تشكل مضمون هذه النظرية، وإن بقيت فيها مواضع لبنات تحتاج إلى إكمال هنا أو هناك. ولكن النظرية» مهما كانت قوتها، و «القواعد» مهما كانت روعتها؛ فإنها لا تنتقل تلقائياً إلى التطبيق في الواقع الاجتماعي. كما لا تكفل «النظرية»، أو «القاعدة» نجاح هذا التطبيق في بلوغ أهدافه. ومن هنا بالضبط يتعين البحث في وقائع عملية الانتقال من التأصيل النظري»، إلى حيز التطبيق العملي.
نظرياً توجد أربع جهات مسؤولة، وهي ذاتها وسائل تنتقل عبرها النظرية أو القاعدة الفقهية إلى حيز الواقع الاجتماعي بمستوياته الفردية والجماعية، وبأنساقه الاقتصادية، والعائلية، والفئوية، والسياسية، والسلوكية أيضاً.
الوسيلة الأولى: هي فتوى المفتي، وقبول المعني بهذه الفتوى لها وعمله بها؛ إذ المفتي مخبر، وليس مجبراً على أية حال. والثانية هي حكم القاضي، وهو واجب التنفيذ والعمل به لحسم الخصومة؛ إذ القاضي (مجبر» وليس مخبراً على أية حال والثالثة: هي قرار السلطان/ الرئيس/ الحكومة، وهو واجب اللزوم والعمل به في حدود طاعة الحاكم الشرعي، وقد يُصدر بها قانوناً أو تشريعاً واجب النفاذ. أما الوسيلة الرابعة فهي مجالس العلم والتعليم والوعظ والإرشاد، وأدوات تكوين الوعي والتأثير في الوجدان العام؛ كنشر الكتب وبرامج الفضائيات، ومواقع التواصل
الاجتماعي على شبكة المعلومات الدولية باعتبار أن التبليغ واحد من أهم وظائف العلماء).
في مباحث «سد الذرائع بمؤلفات الفقه وأصوله قديماً وحديثاً لا نكاد نعثر على إجابة (نظرية لسؤالين: الأول: من المنوط به مسؤولية تقدير المفسدة والمصلحة والتوصل إلى رأي
أو
أو قرار بترجيح إحداهما على الأخرى؟ والثاني هو من المنوط به «تنفيذ» عملية السد الفتح عندما تغدو لازمة التنفيذ؟ لا جواب على أي من ذينك السؤالين؛ وإن كنا قد وجدنا
(1) لقد اجتهدنا في استنتاج الوسائل الأربع سابقة الذكر وهي قد تسهم في الإجابة على السؤالين المذكورين في متن هذه
الصفحة.
(2) من الحالات النادرة ما ذكره الشيخ الزحيلي وهو بمعرض الحديث عن سد الذرائع في العقود قال: «وإذا علم الغرض (الفاسد) من العقد بأدلة مثبتة كان للقضاء إبطاله» سداً لذريعة ضياع الحقوق. انظر: الذرائع في السياسة الشرعية، مرجع سابق، ص 61. ولم يزد الشيخ على هذه الإشارة العابرة.
(3) لعل هذه الإشكالات والأسئلة التي حيرت الكاتب وجعلته ينفي أو يستبعد هذه المسائل وأجوبتها في التراث الإسلامي، نظراً
لعدم التتبع الثاقب لكتب الفقه الإباضي والتراث العُماني المليء بهذه المسائل، وخاصة في ما يتعلق بأبواب الحكم والقضاء
وأبواب الإمامة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولقد كان من الأولى الاطلاع والاعتماد عليها بكثرة في هذه المحاضرات؛