النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٩٢٦

926

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

ثروةً من المعايير «النظرية التي يمكن تحويلها لمؤشرات تساعد في الإجابة، وبالقطع هي ستساعد في تحديد وتمييز المفسدة من المصلحة وترجيح إحداهما على الأخرى؛ وذلك بعد عرضها على واحدة أو أكثر من الجهات آنفة الذكر (المفتي - القاضي - الحاكم). وأهم تلك المعايير هي: «قوة الشبهة»، وعدم مخالفة المنصوص عليه»، و «انتفاء البديل الشرعي»، و «أن لا يؤول الأمر إلى الحرج»، و «أن لا يوقع العمل في الوساوس والأوهام»، و «أن يتحقق المقصود من العمل به»، و «تقديمُ الأقوى عند التعارض، وعدم الإخلال بالنظام العام»، و «تعيين المحصور مما لا ينحصر» … إلخ.

من نقاط القوة - وهي كثيرة - في قاعدة الذرائع، وكذلك في نظرية «الاحتياط» بشكل عام؛ أنها تدفعُ العقل الاجتهادي الفقهي - ومعه العقل الجمعي للمجتمع ـ للتفكير فيما سموه «المآلات»؛ أي في المستقبل. كما أنها تدعو إلى تقدير عواقب الأمور، وتحليل مساراتها المحتملة. وهذا النمط من التفكير المتقدم يلزمه مدُّ البصر إلى الأجلين المتوسط والبعيد لأخذ ما يلزم وفي التوقيت المناسب لدرء المفسدة وجلب المصلحة.

والمؤكد أن فوائد كثيرة تحققت بفضل تشغيل العقل الفقهي لفكرة المآلات»، وتنوير الوعي الجمعي بأهمية النظر للمستقبل والتخطيط له والاحتياط من مزالقه ومن ثم المساعدة في الخروج من حالة الامتثال للأمر الواقع، والاكتفاء بعلم الحاضر والماضي على طريقة زهير بن أبي سلمى وهو في الجاهلية في قوله:

وأعلم ما في اليوم والأمس قبله ولكنني عن علم ما غدٍ عمي»

ولكنَّ وقائع الممارسة الاجتماعية التاريخية تُظهرُ أنَّ الأمر لم يَسرُ على هذا المنوال الإيجابي طول الوقت. وأن روعة فكرة «المآلات» كما تجلت في قاعدة الذرائع، ونظرية «الاحتياط» مثلاً؛ لم تتحول في الواقع إلى ثقافة عامة للتفكير في المستقبل والمبادرة بالأعمال والمشروعات الكفيلة بتحقيق المصالح ودرء المفاسد العامة والخاصة. بل ثمة مؤشرات ودلائل على أن النزوع «الفقهيَّ» نحو المبالغة في الاحتياط وسد الذرائع كان ولا يزال أقوى منه نحو فتحها، وأقوى من توظيفها في التدرب على رؤية المستقبل وحسن تقدير المآلات. ويكفي أن نشير إلى خطورة هذه النزعة تحت

(1)

حتى تندرج بحق تحت العنوان العام للندوة «ندوة تطور العلوم الفقهية في عُمان»، ونفس الملاحظة على ما سبق في نهاية العنوان السابق (المراجع) مسألة كيفية تمييز المحصور من غير المحصور من المسائل التي ناقشها عدد من الأئمة ببراعة تناسب عصرهم، منهم الغزالي. انظر: إحياء علوم الدين، ج 103/ 2. ومنهم: العز بن عبد السلام في: شجرة المعارف والأحوال وصالح الأقوال والأعمال (بيروت، دار الكتب العلمية) ص 476.