النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٩٢٧

الذرائع فتحاً وسدّاً

د. إبراهيم البيومي غانم

927

دعوى «فساد الزمان)؛ هكذا بإطلاق لأننا إذا سلمنا بأن الفساد صار صفة «للزمان» فإن بناء السدود والحوائط لقفل ذرائع الفسادِ لن يكفيها جميع المجتهدين من فقهاء وأصوليين! فمثل هذه التعميمات غير المتحفظة لا يؤديها الواقع الاجتماعي، وترفضها منهجيات العلوم الاجتماعية، والعقول تقول: إن الخير في الدنيا أقوى من الشر؛ وإلا لآلت إلى الخراب.

ألمحنا

في ما سبق إلى أن الفقهاء سلموا كل ما له صلة بالمصالح العامة إلى زمام «السياسة الشرعية وسلطة ولي الأمر! ومع ذلك فإنهم لم يسلموا من سلطة ولي الأمر»؛ حيث أجبرت تلك السلطة بعضهم حيناً ورغبت بعضهم الآخر حيناً للمشاركة في تقدير تلك المصالح العامة، أو بالأدق في إضفاء الشرعية على تقدير ولي الأمر لها وسندرس مثالين أو ثلاثة على ذلك لنفحص من خلالها مآلات قاعدة الذرائع وهي قيد التطبيق. وقد اخترت ثلاث حالات كلها تتعلق بمصالح عامة.

(2)

الحالة الأولى: فتوى سد ذرائع مفاسد اجتماعية عامة تقع من طريق «الوقف»: في سنة 1262 هـ/ 1846 م أصدرَ الشيخ محمد الجزائر لي مفتي الإسكندرية فتوى بجواز منع الوقف. وكان محمد علي باشا قد أرسل للمفتي الجزائر لي سؤالاً نصه هو: «ما قولكم فيما لو ورد أمر أميري يمنع إيقاف الأماكن المملوكة لأهلها؛ سداً لذريعة ما غلب على العامة من التوصل به لأغراض فاسدة من حرمان بعض الورثة، والمماطلة بالديون وتعريضها للتلف: هل يجوز ذلك، ويجب امتثال أمره، أم كيف الحال؟ أفيدوا» (اهـ).

فأفتاه المفتي الجزائرلي، وجاء في نص فتواه أنه: «يجوز لولي الأمر أن يصدر أمراً بمنع الناس من وقف أملاكهم وتحبيسها في ما يستقبل من الزمان؛ سداً لذريعة أغراضهم الفاسدة … ؛ ولأنه مما تقتضيه السياسة الشرعية، استناداً لما حكيناه عن إمام المذهب» (أبو حنيفة).

وعلى أثر تلك الفتوى، أصدر محمد علي أمراً عاماً في 9 رجب 1262 هـ (1846 م)، بمنع إنشاء أوقاف جديدة اعتباراً من تاريخه. إذاً فقد قام اثنان من المنوط بهم نقل قاعدة سد الذرائع إلى

(1) انظر: حيث يؤصل لهذا المفهوم ويقوي نزعة السد، يوسف بلمهدي، البعد الزماني والمكاني وأثرهما في الفتوى (بيروت، دار الشهاب، 1421 هـ/2000 م) ص 203. ويتابعه كمال إمام مؤكداً أن «فساد الزمان ليس إلا من تطبيقات مبدأ الذرائع سداً وفتحاً، من دون أن يعرّفنا المقصود بفساد الزمان انظر: كمال إمام، قواعد تغير الفتوى بين الحدث الكائن والزمن: قراءة أصولية (مسقط، ندوة تطور العلوم الفقهية؛ الفقه الإسلامي في عالم متغير --2011/ 4/12، ص 13. (2) ولد الشيخ محمد الجزائرلي بالجزائر سنة 1189 هـ، وولي القضاء هناك، قبل أن ينفيه الاحتلال الفرنسي، فرحل للإسكندرية، فعينه محمد علي باشا مفتياً لها، وظل في منصبه إلى أن عزله عباس باشا سنة (1266 هـ/1850 م) وتوفي سنة (1267 هـ/1851 م). انظر:

محمد زياد التكلة ترجمة العلامة المفتي ابن العنابي الجزائري الأثري، موقع الألوكة، بتاريخ: 2007/ 7/17. www.aluka.net (3) انظر كتابنا الأوقاف والسياسة في مصر القاهرة، دار الشروق، 1998) ص 389، و 390.