النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٩٢٨928
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
أرض الواقع الوالي والمفتي. فماذا حصل بعد ذلك؟ تقولُ الوثائقُ: إن أمرَ محمد علي بمنع الوقف استناداً إلى تلك الفتوى لم يطبق إلا في حدود ضيقة جداً في الأراضي العشورية؛ أما الوقف في بقية الممتلكات من عقارات مبنية وأراض زراعية فلم يتوقف. ومع ذلك استمر أمر المنع ثلاث سنوات فقط، وظل أقرب إلى أن يكون حبراً على ورق إلى أن ألغاه عباس باشا الأول بعد أن أصبح والياً على مصر، من دون أن يستصدر فتوى جديدة أو يستشير المفتي نفسه. وأصدر عباس بتاريخ 25 رمضان 1256 هـ (1849 م) أمراً ليس فقط بالإلغاء؛ وإنما بإدانة ضمنية لفتوى الشيخ وأمر المنع الذي كان جده محمد علي قد أصدره. ومما جاء في أمر عباس: كان قد صدرت إرادة مخصوصة من جانب الحكومة بمنع الأهالي من وقف أملاكهم، ولكن ظهر أن هذا الأمر جائز، وتعدٍ على حقوق الناس؛ لذلك أمرنا بصرف النظر عن اتباع حكم هذه الإرادة، ليكون كل شخص حراً في وقف بحسب حكم الشرع الشريف المحمدي، ولا يتعرض له أحد، ولا يمنعه» (1).
مصر
أملاكه وما أن زال أمرُ المنع رسمياً حتى عاد وقف الأهالي للأراضي العشورية بأشد مما كان. ورصدنا وقف ثلاثة آلاف فدان في سنة واحدة (1267 هـ) وهي المساحة التي سجلت في محكمة الشرعية وحدها، ويحتمل أن هناك مساحات أخرى تم وقفها وتسجيلها في محاكم أخرى خلال تلك السنة. هذا إضافة إلى أن الأهالي استمروا في وقف أملاكهم خلال سنوات المنع في غير الأراضي العشورية كما ألمحنا سلفاً.
ثمة خطأ أكيد أدى إلى ذلك المآل الفاشل لأمر المنع وإلغائه وإدانته وإدانة الفتوى التي استندت إلى «سد الذرائع، وإلى السياسة الشرعية». وسؤالنا هو: أين مكمن الخطأ؟ هل هو في أن الوالي اعتمد على معلومات غير دقيقة في تقدير حجم حالات سوء استخدام الوقف لتحقيق أغراض فاسدة»؛ ومن ثم لم يأبه الناس بأمر المنع؟ وإذا كان الأمر كذلك: فهل يلام المفتي في شيء على المآل الفاشل لفتواه؟ أم إن ضعف شكيمة محمد علي في أواخر سني حكمه هو الذي تسبب في عدم تطبيق أمره بمنع الوقف، وكانت الرغبة الاجتماعية أقوى من أمر السلطة، رغم استنادها إلى فتوى شرعية بجواز ذلك سداً لذرائع الأغراض الفاسدة؟ لسنا نعرف على وجه الدقة. لكن لا يُحتج على أية حال بقول قائل: إن محمد علي كان عدواً للأوقاف فأراد أن يمنعها بغطاء فتوى شرعية، فآل أمره للإخفاق فهذه حجة غير صحيحة؛ لأن محمد علي قبل سنتين فقط قبل إصدار أمر المنع كان قد فرغ من إنشاء خامس وقفية له وباسمه شخصياً سنة 1260 هـ)، أي
(1) المرجع السابق، ص 389.
(2) المرجع السابق، ص 132 133. حيث أثبتنا جميع بيانات وقفيات محمد علي باشا الخمس التي قام بتسجيلها خلال الفترة من 1228 هـ/1260 هـ. وملاحظة إلياس بلكا صحيحة إلى حد كبير عندما قال: «أصول الفقه كان علما نظرياً أكثر من اللازم». انظر، بلكا، الاحتياط، مرجع سابق، ص 3.