النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٩٣٠

930

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

1 ـ في شأن فتاوى حرب الخليج الثانية: لا نريد أن ننكأ الجراح باستذكار «فوضى الفتاوى» ما بين مؤيد ومعارض للاستعانة بجيوش المشركين والكفار) لدفع الضرر عن المسلمين، وسد ذرائع الفساد والدمار المتوقع من حاكم العراق» آنذاك. وإنما نشير هنا فقط إلى أن الأمر قد غُمَّ على الجميع: «المفتين»، و «المستفتين، وحتى على صنّاع القرار من رجال الحكم والسياسة في شتى بلاد المسلمين. ومع هذا توالت الفتاوى من الطرفين معتمدة - في ما اعتمدت ـ على قواعد فقهية كثيرة منها «سد الذرائع»، و «منع الضرر»، و «الاحتياط»، و «الضرورة»، وغيرها من القواعد الأصولية التي تتطلب معرفة دقيقة بمعطيات القضية محل النظر قبل الإفتاء فيها، أو تنزيل حكم ما عليها. ومن ذلك على سبيل المثال: فتوى الشيخ عبد العزيز بن باز (رقم: 172/ 6) التي جاء فيها: «وأما ما اضطرت إليه الحكومة السعودية من الأخذ بالأسباب الواقية من الشر، والاستعانة بقوات متعددة الأجناس من المسلمين وغيرهم للدفاع عن البلاد وحرمات المسلمين وصدّ ما قد يقع من العدوان من رئيس دولة العراق فهو إجراء مسدّد، وموفّق، وجائز شرعاً، وقد صدر من مجلس هيئة كبار العلماء - وأنا واحدٌ منهم - بيان بتأييد ما اتخذته الحكومة السعودية في ذلك، وأنها قد أصابت في ما فعلته … » انتهى.

شرعي

(1)

وفي سياق الجدل العارم حول أمثال تلك الفتوى، ردَّ الشيخ ابن باز على من شكك في وجود أدلة شرعية قوية تدعم فتوى هيئة كبار العلماء بشأن الاستعانة بغير المسلمين في الدفاع عن بلاد المسلمين وقتال حاكم العراق. ومما جاءَ في رده: وهيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية لما تأملوا هذا ونظروا فيه، وعرفوا الحالَ بينوا أن هذا أمر سائغ … ، بل يجب فوراً استعمال ما يدفع الضرر عن المسلمين، ولو بالاستعانة بطائفة من المشركين في ما يتعلق بصد العدوان وإزالة الظلم، وهم جاءوا لذلك وما جاءوا ليستحلوا البلاد، ولا ليأخذوها، بل جاءوا لصد العدوان وإزالة الظلم ثم يرجعون إلى بلادهم .. ». وأنهى جوابه بعبارة هي أدق ما وصف به الحال؛ إذ قال: «والناس أقسام منهم من جهل الحقائق والتبست عليه الأمور، ومنهم من هو جاهل لا يعرف الأحكام الشرعية، ومنهم من هو مستأجر أجر من الطغاة الظلمة ليشوش على الناس» (2).

وسؤالنا هنا هو: هل توافرت لمن أصدروا مثل تلك الفتوى المعلومات الكافية ودرسوا احتمالات الحرب والسلم في ضوئها، وعرفوا مآلاتها قبل أن يصدروا فتواهم؛ سواء بتأييد الاستعانة بجيوش «الكفار) أو بمعارضة ذلك؟ أشكُ (3). وعلى أية حال فإنَّ المتيقن هو أن أحداً لم يراجع تلك الفتاوى

(1) عبد العزيز بن باز مجموع فتاوى ومقالات متنوعة، الموقع الرسمي للشيخ: http://www.binbaz.org.sa/index.php (2) انظر السؤال الموجه للشيخ ابن باز ورده عليه: الموقع الرسمي للشيخ المرجع

السابق.

(3) تقارير اليونيسيف مثلاً قالت: إن 4500 طفل عراقي كانوا يموتون شهرياً جراء الحصار الذي فرض على العراق أعقاب حرب الخليج الثانية. انظر: 2001 Stephen Zunes: Iraq 10 years after Gulf War; Foreign Policy in Focus. Vol.،6 .No. 1، January فهل كان ذلك في تقدير مآلات «فتوى جواز الاستعانة بالكفار في الدفاع عن المسلمين»؟