النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٩٣١

الذرائع فتحاً وسدّاً

د. إبراهيم البيومي غانم

931

أو درسها بعد أن مضت مدة المآل الذي جرى استبصار «المصالح والمفاسد» في ضوئه عند صدور الفتوى. والأرجح أن تأثيرها كان شبه منعدم في التأثير الإيجابي على مجريات الأحداث؛ غير أنها صبت الزيت على النار. وغالب الظن أن تلك الفتاوى كانت فتاوى استظهار» بقواعد فقهية ومنها «سد الذريعة»، و «حكم الضرورة»؛ أكثر من كونها «فتاوى افتقار» إلى تلك القواعد والسعي لإعمالها في الواقع بعد دراسة مقتضياتها حق دراستها.

ووفق ما سبق أن عرفناه من قيام المجتهدين القدامى بإزاحة مسائل ومعضلاتِ «المصالح العامة» إلى زمام «السياسة الشرعية»، وتفويض ولي الأمر في تقدير المصالح والمضار، واتخاذ ما يراه مناسباً، أكانت ثمة حاجة أصلاً لأن تتصارع مرجعيات الإفتاء للإدلاء «بفتاوى» في شأن بالغ الخطورة مثل حرب الخليج؛ وذلك بتسخير قواعد فقهية بغير استجماع شروط تطبيقها، ما أدى بها لمآلات الفشل في نهاية المطاف؛ وكانت عاقبة أمرها أنها لا مصلحة جلبت

وهو

ولا مفسدة درئت.

2 - في شأن فتاوى مظاهرات الربيع العربي: انخرط المفتون الشرعيون أيضاً في إصدار فتاوى المنع سداً لذرائع الفساد، أو الإجازة فتحاً لذرائع الحرية في عديد من مجتمعاتنا، وإن كان صوت المفتين بالسد والمنع أعلى وأشيع من نظرائهم المفتين بالفتح والإجازة وبعيداً عن الفريقين؛ فإن أكثر المتظاهرين في عواصم ومدن العالم العربي في غالبهم لا ينتظرون مثل تلك الفتاوى كي يقرروا المشاركة أو عدم المشاركة فيها، فضلاً عن أن أكثرهم لا يهتم بقراءتها أو التدقيق في أدلتها. ومعجنة الخلافات بين مراجع الإفتاء واقعة في شأن «التظاهر السلمي»، وغيره من أشكال الاحتجاج السلمي مثل: الاعتصامات والإضرابات والعصيان المدني. أما الاحتجاجات غير السلمية فلا خلاف بين الجميع في منعها لكون المفاسد والأضرار التي تؤول إليها راجحة. ولا تغيب قاعدة الذرائع سداً أو فتحاً عن الحجج التي يسوقها المؤيدون والمعارضون.

الحجةُ الأساسية للذين يفتون بجواز التظاهرات وغيرها من صور الاحتجاجات السلمية هي: إنها من باب العادات والعرف»، و «المصالح المرسلة»؛ حيث إنها تجلب المنافع وتدفع الأضرار، وأن الأصل هو الأمر الشرعي بالتغيير إلى الأفضل، وعدم الرضا أو السكوت على الفساد والمعاصي والظلم، وإلا أصابنا الله بالخذلان في الدنيا، والنيران في الآخرة؛ فقد جاء في التنزيل: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ﴾ [هود: 113] إلى غير ذلك من الأدلة).

(1) انظر حشداً من تلك الأدلة في: فهد بن أحمد بن ناصر بن هلابي الجعيدي المري القحطاني المظاهرات: حكمها الشرعي، مصالحها، مفاسدها، وأقوال العلماء فيها دراسة منشورة على موقع: 16? http://www.eltwhed.com/vb/showthread.php