النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٩٤٣

نظرية الضرر أهم مبادئ الأخلاقيات الاجتماعية

د. عبد العزيز ساشدينا

943

بها الفعل البشري وفق اصطلاحات التمييز الأخلاقي البشري بين الخير والشر، وعلاقة الفعل البشري بإرادة الله أهم من هذا، فإن ما من دفاع عن العقل، بوسمه مصدراً جوهرياً أكثر منه مصدراً صورياً لتحصيل الأحكام الأخلاقية - الشرعية، إلا وكان يتضمن ترخيصا مستمدا من مصادر دينية، شأن القرآن والسُّنَّة. ففي القرآن يمكن الدفاع عن نظرة كلامية (لاهوتية) للكائن البشري تتمثل في قدرته على إعمال العقل بغاية اكتشاف إرادة الله، وذلك لا سيما عندما يحض الوحي نفسه على النظر في علل التشريعات الموحى بها، وذلك شأن حثّه على طاعتها والامتثال إليها. وبلا معونة من الوحي، فإن العقل ليس يقتدر على أن يغدو مصدراً مستقلاً للأحكام الأخلاقية الشرعية. لقد كان يجد هذا الموقف الحذر من العقل جذوره في الإيمان، بأن علم الله بما يكتنف أي وضع بشري من ظروف وملابسات وحيثيات تضعه في موضع إحراج أخلاقي، إنما هو علم ليس إلا لله، وهو علم لله مطلق. وبينما كان القرآن والسُّنَّة قد وفرا التعليل لبعض الأحكام الأخلاقية - الشرعية، وذلك عندما أعلنا أنها واجبة أو حرام فإنه في عدد كبير من المسائل تم التعبير عن هذه الأحكام بوصفها أوامر إلهية، تنبغي طاعتها من غير علم بالعلل الكامنة خلفها. وهكذا، مثلاً، فإن العلة الموجبة لطلب العلاج الطبي إنما هي تفادي إضرار المرء بنفسه إضراراً خطيراً أو متعذراً إصلاحه، هذا بينما علة تحريم المس بالحياة البشرية إنما هي حرمة النفس كما صرح بذلك الوحي. لقد كانت الأوامر، بكل بساطة، جزءا من سلطان الله ومقدرته بوصفه الخالق، والتي تتطلب من العبد التسليم له تسليماً مطلقاً. فلئن يتصرف المرء بما يخالف أوامر الله، فإن ذلك معناه أن يتصرف تصرفاً غير أخلاقي وغير شرعي في الآن ذاته. وإن المسألة الكبرى، في الفكر الشرعي، لكانت إذا ذات صلة بتحديد مدى قبول معايير الاستدلال (القياس) بوسمه مصدراً جوهرياً للأحكام الشرعية ـ الأخلاقية. فهلًا بمكنة العقل البشري أن يكتشف إرادة الله وهو يواجه المسائل الشرعية - الأخلاقية الناشئة، وذلك من وقوع منه في استعباد مصلحة الإنسان الضيقة؟

المبادئ والقواعد في الأخلاق الشرعية الإسلامية

كانت النقاشات الكلامية الدائرة على تقييم الأفعال البشرية، وطبيعة الكائنات البشرية بوسمها فاعلة أخلاقية أساسية لتطور الفقه الإسلامي. وإن اعتبار الخير الأخلاقي وتجنب الشر، على نحو ما هو معلوم عند كل ذي ميز، لهو ما حمل المذاهب الشرعية على أن تقبل أن تتكيف مع كل المسائل والقضايا الشرعية المعاصرة. وإن المقصد الأسنى لكل المناقشات الشرعية لكان يقتضي إقامة العدل وحفظ مصالح الناس في الدنيا والآخرة كيف كان يتم اتباع هذا المقصد لما تكون كل العوارض البشرية الممكن وقوعها استقبالاً غير منصوص عليها في النص أكان قرآناً أم سنة؟