النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٩٤٤

944

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

هنا لعب الأصل (الذي حفظ في صورة الحديث النبوي) دوراً مهماً بوصفه من يكشف عن المقاصد الإلهية التي وضعها الله للمؤسسات البشرية. وعلى عكس ما يذهب إليه الحس المشترك من توقع أن على تطبيق الأحكام الشرعية أن يكون أمراً تبعياً لا أصلياً يأتي بعد قيام النظرية الشرعية، بدءا وأصلاً وأولاً، فإن الاجتهاد الشرعي الإسلامي كان يسبق بالفعل الأصل. لقد كان علماء الإسلام مقتدرين على استيعاب هذه الأصول استيعاباً بغاية حل مسائل الفروع أو النوازل الطارئة؛ وذلك لأن هذه الحالات كانت تجد لها دعائم في الإجماع الذي بني على ممارسة الأمة. وإن الأحكام الشرعية التي كانت محفوظة في الأصل لتسجل نقطة انتقال استعملت فيه السنة لتوثيق القانون الجوهري. وبوصفها أصلاً تقاس عليه الأحكام الفرعية، فإن هذا الأصل كان يشير إلى العلة التي تتعلّق بها الأحكام النهائية. ولقد صار مثل هذا الأصل مصدراً لتطور المبادئ والقواعد الشرعية. وإن القضايا المستحدثة لكان ينظر فيها بناء على إثارة مثل هذه المبادئ والقواعد.

نصاً

وفي أحايين أخرى كان على مبادئ، شأن العدالة والإنصاف التي نص عليها الوحي مباشراً وبألفاظ عموم، أن تطبق في أوضاع مشخّصة خاصة في المجتمع الإسلامي لتحدد مستوى المسؤولية في حالات خرق العدالة وإن المسؤولية المعنوية للخبير الشرعي المسلم لكانت تتضمن تحديد طبيعة العدالة المطلوبة دينياً، وتحديد ما إذا كانت هي من جنس العدالة التوزيعية، أم من جنس العدالة التصحيحية، وذلك كله في سياق خاص لحالة مخصوصة. وفضلاً على هذا، كان عليه تحديد ما إذا كانت درجة الخرق هذه تتطلب تعويضات مادية، أو أشكالاً أخرى مقررة في النظام الجزائي. ومما لا شك فيه، فإن جزءًا أكبر من اجتهاد علماء الشرع المسلمين كانت له صلة بتعلم هذه المبادئ والقواعد في سياق القرآن والسُّنَّة، وذلك بغاية توفير طرائق جديدة لحل مشكلة المجتمع.

المبادئ الإسلامية للأخلاق الاجتماعية

في نقاشنا الذي كان مداره على النظريات الأخلاقية التي كانت معروفة متداولة بين المسلمين، كان العقل البشري ودوره الجوهري قد احتل مكانة مركزية في استنباط الأحكام الشرعية - الأخلاقية، وذلك سواء عن طريق الإحالات إلى المبادئ ذات السلطة بهذا الصدد، أو إلى الأصول التشريعية. غير أن علماء الشريعة السنة أوكلوا إلى العقل دوراً أدنى، وإلى حد ما دورا شكلياً، في اكتشاف الصلة بين الأمر الإلهي والخير البشري. وهنا فإن السوابق المستنبطة من الوحي كانت تستعمل بوصفها أصولاً بالقياس إليها تتخذ الأحكام المحيرة للضمير. وفضلاً على هذا، فإن التفكير الأخلاقي قد ورد في السنة بوصفه عملية تمييز المبادئ المتضمنة في العبارات القضوية في صورة فتاوى، كما في صورة ممارسة علماء الشرع الأوائل على حد سواء. والصلة بين الأحكام الشرعية -