النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٩٤٥نظرية الضرر أهم مبادئ الأخلاقيات الاجتماعية
د. عبد العزيز ساشدينا
945
ألا
الأخلاقية والمبادئ في مثل هذه الحالات لحجبتها الإحالة إلى الوحي، وذلك مهما كان عليها أن تبدو شاذة. ومن المهم يغيب عن أذهاننا أنه بالنسبة إلى المسلمين السنة، فإن المعرفة بقواعد الشرع والأخلاق كانت أمراً راسخاً في الوحي الإلهي متجذراً فيه وليس في العقل البشري. وإن عملية استنباط القواعد من الوحي لمبنية على تأويل النصوص وبوفق هذا المعنى، فإن الشرع الإسلامي إنما هو جملة من القواعد الوضعية بحكم أن صيغ الفقهاء مبنية على نصوص الوحي أكثر مما كانت هي مستملاة من حدسهم العقلي الخاص. وإن عرض الشرع لمداره على النص بالأولى، وذلك على الرغم من أن الجزء الأكبر من الشرع الوضعي في مجال المعاملات كان مستنبطاً من اجتهاد كل فقيه في إعمال استدلاله الحدسي.
لقد آمن فقهاء الإسلام المنتمون إلى مدرسة الفكر الشيعي بالدور الجوهري للعقل - تلك المدرسة التي كانت تعتبر أن العقل البشري قادر، لا فحسب على اكتشاف المقاصد الإلهية التي وضعها الله للمجتمع البشري، وإنما أيضاً على إقامة ترابط بين الحكم الأخلاقي البشري والأمر الإلهي. ولذلك سووا هم بين غالب المبادئ والقواعد المستنبطة من مصادر الوحي، وتلك المستمدة من العقل التي يمكنها أن تستعمل لاستنباط أحكام جديدة في كل مجال المعاملات. وبعبارة أخرى، أمست هذه المبادئ والقواعد الموجهات العامة للفعل التي تحدد التقييم الأخلاقي لفعل ما، وتحدد ما إذا كان واجباً أم حراماً أم مباحاً أم مستحباً أم مكروهاً في سياق ظروف خاصة. بيد أن عملية التفكير الأخلاقي ليست تقتضي بالضرورة وجود معايير ثابتة لا تتبدل، تستنبط منها قواعد أخرى وأحكام، وإنما كانت تقتضي إحداث توليفة جدلية بين حدوس علماء الشرع واعتقاداتهم، من جهة، والأصول المقيس عليها الواردة في الوحي التي تستوعب المبادئ والقواعد، من جهة أخرى، والتي تتضمّن أصول حل الحالات الخاصة المستجدة (الفروع). ومع ذلك، كانت ثمة بعض المبادئ التي تعلو فوق الظروف الخاصة في التاريخ وفي التقليد، والتي تمسي مصدر حل المشاكل الأخلاقية المعاصرة.
ومع هذا، فإنه ما كان ثمة إجماع بين ممثلي المدارس الفقهية السنية الأربع الكبرى (المالكية والحنفية والشافعية والحنبلية) على ما يتعلق بهذه المبادئ، لا على كون هذه المبادئ مستمدة من النظريات الأخلاقية التأسيسية العقلانية التي استنبطت منها مبادئ أخرى وأحكام شرعية، وإنما كان العلماء الشرعيون من مختلف المدارس قد حددوا جملة مبادئ كانت أحياناً - وما كانت دائماً. هي هي. وبما أن لغة الشريعة هي لغة التكليف أو الواجب، فإنه تم البدء بقواعد الأصول وقواعد الفقه في الأخلاق الإسلامية بوصفها تكاليف ثمّ مشتقاتها بالتبع. وقد حدد بعض الفقهاء الشرعيين المبادئ، بحيث تتضمن المبادئ والقواعد معاً، وأشاروا إلى التمييز بين الأولي (الأصلي) والثانوي (التبعي أو (الفرعي في تطبيقها على النوازل الخاصة.