النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٩٤٦

946

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

ومن بين هذه المصادر الفكرية في الاجتهاد الفقهي الإسلامي كان هناك مصدرا الاستحسان والاستصلاح. وقد مثل هذان المصدران أحكاماً فقهية دائرة على المنفعة أو على المصلحة العامة. بيد أن استعمال هذين المصدرين من حيث ما هما أساسان شرعيان إنما كان مرتهناً بمدى تكييفهما مع المصادر النصية (الكتاب والسُّنَّة).

المتغيرة. ومع

وهكذا، مثلاً، فإن واجب تفادي التطبيق الحرفي للقانون الموجود، والذي يمكن أن يكون مجحفاً في بعض الأحوال، أدى إلى ميلاد مبدأ الاستحسان». وإن هذه الطريقة الشرعية في تقديم بعض الأحكام الشرعية (الفتاوى) على بعض، وإيلائها الأولوية على غيرها (التراتبية)، وذلك بالأخذ في النظر ظروف النازلة، كان لها دور كبير في توفير مواكبة الشرع الإسلامي لحاجات المجتمع ذلك، فإن المنهجية كانت مبنية على مبدأ مهم مستنبط من الأمر المتعلّق بـ «درء المفاسد» الذي أعلن عنه القرآن إعلاناً صريحاً: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة: 185]. هذا وقد تعزّز هذا الأمر الإلهي بالسنة التي ورد فيها حديث النبي: «إن خير دينكم أيسره». بعبارة أخرى، فإن مبدأ الاستحسان» يسمح بصياغة حكم يلتف على حالة أصلية قائمة (أصل)، وذلك بغاية تحقيق التزام أعلى بإقامة مثالي الإنصاف والعدل لا يضر بالناس الذين يطبق عليهم الحكم. وإن النتيجة البديهية التي ينبغي استخلاصها من قصد الله منع المعونة وتيسير الأمور وتدليل الصعوبات لهي أن جوهر هذه المبادئ يتمثل في قابليتها للتكيف حتَّى تستجيب للمطالب التي تقوم عليها المصلحة العامة في كل الأزمنة والأمكنة وفي غياب كل تنصيص عليه في الكتاب والسُّنَّة، فإن مبدأ الضرورات تبيح المحظورات يقدم قاعدة مرجعية (ذات سلطان) لاستنباط حكم شرعي مستحدث مستجد.

هي

إن الحيّز المحدود المخصص لهذه الورقة لا لنا يسمح بجرد كل المبادئ التي تطبق لإصدار أحكام شرعية في مختلف مجالات المعاملات في الشرع الإسلامي. وما يبدو أشد فائدة وأدعى للإنجاز هو تحديد عدد من المبادئ الإسلامية الأساسية التي تنحدر، سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة عن مبدأ المصلحة العام الذي هو مبدأ الخير العام. وهذا المبدأ يلجأ إليه بغاية توفير حلول لمعظم المسائل الجديدة الدائرة على الأخلاقيات الطبية. ذلك أن المقتضى العقلي بحسبان الفوائد الممكن جنيها لفعل ما، وتكاليف ذلك الممكنة إنما يقع في صلب المعاملات في ميدان الأخلاقيات العامة بعامة، والأخلاقيات الطبية بخاصة. وكما أشير إلى ذلك من ذي قبل، فإن الدراسات الشرعية الإسلامية إنما جرت بغاية فهم الأسباب الفعلية التي تكمن خلف بعض الأحكام الشرعية التي لها صلة بالالتزامات الأخلاقية الأولية والأساسية. وإن المبادئ التي تنبغي إقامتها في هذا الفصل ما كانت بالضرورة ذات الأولوية نفسها، أو الدلالة عينها بالمقارنة مع تلك المعترف بها، مثلاً، في مضمار الأخلاقيات الطبية الغربية؛