النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٩٤٧نظرية الضرر أهم مبادئ الأخلاقيات الاجتماعية
د. عبد العزيز ساشدينا
947
أعني بهذه المبادئ مبدأ احترام استقلالية الفرد ومبدأ عدم الإساءة إلى الغير ومبدأ الإحسان إليه (بما في ذلك المنفعة ومبدأ العدالة وبالمقارنة مع هذه المبادئ، فإن المبادئ الإسلامية تتقاطع معها في جوانب مهمة، لكنها تباينها في جوانب أخرى. وهكذا، ينظر، مثلاً، إلى مبدأي الإحسان وعدم الإساءة، في بعض الأنساق الغربية، على أنهما مبدان متمايزان، بينما ينظر إليهما في الإسلام باعتبارهما مبدأ واحداً - هو مبدأ عدم الإضرار بالغير»، وذلك على أساس من التداخل بين الواجبين معاً في السنة: (لا ضرر ولا ضرار في الإسلام». وفضلاً على هذا، فإن مبدأ حفظ المرء من العسر والحرج ينطبق، في مجال المعاملات، وهو وإن كان المطلوب فيه أن يطبق بنية حسنة، إلا أن ذلك يجري بانفصال عن الدين. ثم إن ثمة عدداً من القواعد الأخرى المستنبطة، وهي جزء مهم من النظام الإسلامي، لكنها غير معتبرة في الأخلاق الطبية الدنيوية. وهكذا، فإنه من بين الإلزام المستنبط ثمة قاعدة التشاور باعتبارها جزءا من الأخلاق الجماعية الإسلامية، وذلك ضداً على مبدأ الاستقلال المهيمن والمبني على الفردانية
الليبرالية.
أكثر من هذا، بالرغم من أن هذا البحث مبني على الأحكام المستألفة من أربع مدارس شرعية سنية وواحدة شيعية فإنني حاولت أن أشير فحسب إلى المبادئ أو القواعد الشرعية التي يتم اللجوء إليها على الغالب، وذلك من غير عزوها بالضرورة إلى هذه المدرسة أو تلك، اللهم باستثناء عندما يكون ثمة خلاف جوهري في أمر ضمّها إلى هذه النظرية الشرعية أو تلك. وتلك هي المبادئ التي مكنت من استنباط أحكام جديدة في مجال المعاملات، وذلك انطلاقاً من البحث عن إيجاد التوازن بين مختلف النتائج المحتملة بغاية حفظ المجتمع من الأضرار. وفي العقدين الأخيرين اجتمع فقهاء الشرع المنتمون إلى مختلف المدارس الشرعية الإسلامية اجتماعاً منتظماً، تحت إشراف وزارات الشؤون الدينية لبلدانهم، بغاية صياغة أحكامهم صياغة موحدة والحال أن بعض هذه الأحكام الشرعية الجديدة تم نشرها في المجمع الفقهي الإسلامي. وإن فحصاً دقيقاً للأحكام الشرعية التي تم اتخاذها في إطار هذا المجمع لتشي بالتوازن الذي حصل في اعتبار المنافع والمضار الممكنة المنعكسة على المجتمع برمته. وزيادة على هذا، فإن هذه الأحكام إنما تنم عن السعي إلى إحداث تناسب ما بين المصالح الفردية والمصالح الجماعية، وعن الحاجة في بعض الأحايين إلى السماح بترجيح كفة المصالح الجماعية على المصالح والحقوق الفردية. وإن التوتر الذي يكمن خلف مثل هذه الأحكام ليحل، في بعض الأحيان بالعودة إلى مبدأ جوهري يتعلّق بحق الفرد في رفض الضرر والضرار لا ضرر ولا ضرار»؛ وهو ما من شأنه أن يحد من التطبيق غير المحدود لمبدأ
الخير المشترك.