النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٩٤٨

948

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

مبدأ المصلحة العامة / الخير العام (المصلحة)

لقد كان اعتبار المصلحة العمومية أو خير الناس العام مبدأ أساسياً أعمله فقهاء الشرع المسلمون بغاية استدماج واستدخال بعض المشاكل الجديدة التي تواجهها الأمة. ولقد تم القبول بالمصلحة مبدأ استدلالياً (قياسياً) لاستنباط أحكام جديدة، أو طريقة لتعليق الأحكام القديمة، وكلّ ذلك مراعاة لمصلحة الأمة وخيرها. غير أن قبولها مصدراً مستقلاً للتشريع أمر جادل فيه بعض علماء الشرع السنة والشيعة. وإذا حق القول إن المصلحة مبنية على أن الغاية النهائية من الشريعة تفرض إقامة العدل والحفاظ على مصالح الناس العليا في الدنيا والآخرة، فإنه يحق التساؤل أيضاً: من ذا الذي يحدد ما الأمر العدل، وما الشأن الأنفع بالنسبة إلى الناس؟ ههنا تحدد الأخلاق الكلامية معايير المصلحة.

بالنظر إلى غالبية المسلمين الذين ينتمون إلى المدرسة الفكرية السنية الأشعرية في فهمها لخطة الله في البشرية، فإن المرء يحتاج إلى فهم وجهة النظر الأشعرية المتعلقة بما هو الأصلح والأفضل بالنسبة إلى الناس. إنَّ الأشاعرة الذين يقولون بأخلاقيات الأمر الإلهي (النزعة الإرادوية الأخلاقية) إنَّما يوقفون استنباط المصلحة على المصادر الوحيية؛ أي على الكتاب والسنة. وهكذا فإن الغزالي، بوصفه عالم كلام وشريعة، أشعري، أوضح هذه المسألة في نظريته الشرعية بالقول: «أما المصلحة فهي عبارة في الأصل عن جلب منفعة، أو دفع مضرة، ولسنا نعني به ذلك، فإن جلب المنفعة، ودفع المضرة، مقاصد الخلق، وصلاح الخلق في تحصيل مقاصدهم، لكننا نعني بالمصلحة المحافظة على مقصود الشرع، ومقصود الشرع من الخلق خمسة وهي أن يحفظ عليهم دينهم، ونفسهم، وعقلهم، ونسلهم، ومالهم. فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة، فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول، فهو مفسدة، ودفعها مصلحة» (1).

تأسيساً عليه، فإنَّ العدل يكمن، بحسب الأشاعرة، في إتيان ما أعلنه الحق خيراً واجتناب الله ما حرمه في هذه المصادر المقدسة وفضلاً على هذا، فإن الحكم بأن فعلاً ما فعل خير أو فعل شر إنَّما يتعلّق بأخذ الاعتبار بالمبادئ العامة المذكورة في الشرع. ومن ثمة، فإن المسؤولية البشرية تصير مقتصرة على ما رسمه الله من مجرى ليسير عليه البشر، وذلك بطلب إقامة ما أعلنه الله خيراً وتجنب ما أعلنه الله شراً. إضافة إلى هذا، بقدر ما تعلّق الأمر باستنباط أحكام مستحدثة، فإن الأشاعرة ذهبوا إلى أن مبدأ المصلحة يكون إجرائياً داخلياً في الأحكام التي تكشف بيقين عن أنه في تشريع الأحكام كان الله قد استحضر في ذهنه خير

البشرية وسعادتها.

(1) انظر: المستصفى الفقرة: 287