النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٩٤٩

نظرية الضرر أهم مبادئ الأخلاقيات الاجتماعية

د. عبد العزيز ساشدينا

949

والحال أن

تصور المفكرين السنيين المعتزلة الذين كانوا يتبنون أخلاقيات موضوعية عقلانية، كان مختلفاً عن تصور الأشاعرة بطبيعة الحال. وكانت أطروحتهم مبنية على العقل البشري باعتباره قادراً على الإحاطة بالمصلحة علماً؛ أي باعتبار المصلحة العامة التي تجلب المنفعة وتدفع المضرة. وبالنسبة إلى هؤلاء، فإن المصلحة كانت مبدأ استقرائياً لاستنباط أحكام مستجدة في مجال لم توفر فيه المصادر الوحيية (الكتاب) إلا توجيهات نادرة أو عديمة بالمرة، والتي كان ينبغي فيه لهذه الأحكام أن ترتهن بالحياة الأخلاقية التي من شأنها أنها تتطور، وأن تأخذ في النظر الصراعات الأخلاقية السابقة والتفكير الناجم عن حالات خاصة وظروف مخصوصة.

وفي سياق المسائل ذات الصلة بالأخلاق الاجتماعية، والتي تتعلّق بمجريات حياة الإنسان اليومية، فإنه من المهم أن نتذكر أنه سواء كان مبدأ الخير العام قد نصت عليه المصادر الكتابية الوحيية من الداخل، أم دل عليه العقل الحدسي من الخارج، فإن لا عالم شرع يشكك في النتيجة التي تجعل الأحكام الشرعية - الأخلاقية مبنية على أساس خير وسعادة البشر، ومن أجل صون الناس من الفساد والضرر. وبعبارة أخرى، إنهم يؤمنون بأن الله إنما يوجه البشر نحو فعل ما هو خير لهم، وذلك حتَّى وإن كانت طريقة اشتقاق هذا المبدأ قد بقيت موضع نزاع.

وقد عمد بعض فقهاء الشرع، لغايات نفعية، إلى رد كل الأوامر إلى مبدأ الخير المشترك، وذلك باستعمال الاستدلال بالأصل الذي يقارن بين الحالات، ويستنبط النتائج الأخلاقية الشرعية عن طريق القياس. وهكذا عمد الشاطبي، مثلاً، إلى القول بأن إصدار الأوامر الإلهية كان، بالنظر إلى المصادر الكتابية شأن القرآن والسُّنَّة قائماً على الأخذ في الاعتبار مصالح العباد في الحياة الدنيا وفي الآخرة والحال أن فكرة أن الله يأخذ في النظر مصالح العباد إنما هي منوطة بحجة سلطة يمكنها أن تحدد صدق التأكيد الذي يقول بأن الأصل إنما يعكس مذهباً ذهبه الحق تعالى في ألا يفعل إلا ما يكون في صالح مخلوقاته. لكن، وكما يؤكّد الشاطبي على ذلك، عن حق، فإنه بقطع النظر عن الجوانب المذهبية لمبدأ الخير المشترك التي عولجت في علم الكلام، فإن من الأهمية بمكان التأكيد على أن تطبيق هذا المبدأ على النظرية الشرعية يسمح، بل ويشجع على إصدار أحكام جديدة في الشريعة إن معظم فقهاء الشرع المعاصرين إنما يتبنون وجهة النظر الأخيرة. وقد أنتجوا حججاً في أعمالهم المتعلقة بالنظرية الشرعية دعماً للأحكام الشرعية المستنبطة من مبدأ الخير العام. ويقدم لنا الشاطبي أمثلة عن الشرائع الإلهية، من القرآن والسُّنَّة، التي أقامها الله في توافق مع مصالح العباد في الحياة الدنيوية والأخروية. وهكذا، فإنه لتسويغ قواعد الطهارة والوضوء، قال عز من قائل: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم منْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ} [المائدة: 6]. وفضلاً على هذا، فإنَّ المصادر الكتابية عرفت البشر بمفاسد ومضار هذا العالم والعالم الأخروي حتَّى يصونون أنفسهم منها