النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٩٥٠950
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
ويتَّقوها. وإذا ما درس المرء السنة، فإنه لن يعثر على أمر اللهم إلَّا كون الواجبات الدينية والأخلاقية، إنَّما تدل على عناية الله بخير البشرية وبمصلحتها.
تبدل المصلحة وتغيّر الأحكام
ما
إن إحدى نتائج إعمال المصلحة العامة في استنباط الأحكام الشرعية لهي التغير الحتمي للشرائع تبعاً لتبدلات أحوال البشر التي تتطلب إعادة تقويم لما يخدم مصالح الناس، وما يؤدي إلى انتشار الفساد بينهم. والحال أنه وجد العديد من السوابق في بواكر تاريخ الأمة استعملت كوثائق لتقوية مبدأ الخير العام، وتأسيساً على هذا المبدأ، استخدمها فقهاء الشرع بوصفها أصولاً يقاس عليها حتَّى يستنبطوا منها ما يفيد في الحكم على النوازل الطارئة. وإذا تم قبول أن الأوامر الدينية مبنية على اعتبارات يبدو أنها تراعي تنمية القيمة الإيجابية والحد ما أمكن من الضرر، لا سيما في ما يتعلق بالمعاملات، فإن علينا أيضاً أن نعد هذه الأوامر في صلتها بالأوضاع قابلة للتغير، ومن ثمة خاصة بمنطق الزمان والمكان. وإن عدداً من الفقهاء الشرعيين المشهورين لقبلوا بهذا البعد النسبي للأوامر (للأحكام الشرعية) في ما يتعلق بكل الأمور الدائرة على المعاملات. وذلك مثلما أنهم أكدوا أن تبديل هذه الأحكام وتكييفها أمران مباحان حتَّى لو خالفت هي النصوص الدينية، أو ما إذا كان ثمة اتفاق بين الفقهاء على ما يخالف ألفاظ الشرع. بيد أن عدداً كبيراً من الفقهاء أباحوا تبديل وتكييف الأوامر الشرعية، وقيدوا ذلك بمواضيع مخصوصة - تلك التي يبدو أنه لا يوجد نص شرعي عليها أو اتفاق بين الدارسين.
وبالجملة، فإن فقهاء السنة الشرعيين كانت لهم صلة يومية بسير أعمال الحكم. ولهذا كانوا مطالبين بأن يقدموا حلولاً لكل مشكلة جديدة تطرأ في المجتمع. وحتى يتم لهم ذلك، تصوروا حيلاً (تعاميل) منهجية قائمة على الاستدلال بالمماثلة (القياس)، وإبداء الرأي، وبدل الجهود الهادفة إلى إشاعة الخير العام، وانتقاء أجدى الفتاوى نفعاً، وتدليل الصعاب التي تحول دون حل المشكلة، والتعويل على عوائد البلد وأعرافه، وإعمال مختلف أشكال الاستدلال. وبفضل إعمال هذه الأدوات المنهجية، فإنهم اقتدروا، في حدود واسعة على الاستجابة لأوضاع طرحت في مجال الممارسة الطبية. هذا بينما الفقهاء الشيعة ما قبلوا المصلحة العامة (الخير (العام) مبدأ لحل المشاكل الطارئة، اللهم إلا في الآونة الأخيرة. فحتى بزوغ الثورة الإيرانية (1978 - 1979) ما كانوا عالجوا مسألة قبول مبدأ الخير العام مصدراً مهماً لإصدار الحكم الشرعي - الأخلاقي. والحال أن التوجه الذي اتبعه هؤلاء الفقهاء أخيراً ما كان مبايناً بتمام المباينة للمسلك الذي سلكه نظراؤهم السنة عبر التاريخ السياسي للإسلام السني