النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٩٥١نظرية الضرر أهم مبادئ الأخلاقيات الاجتماعية
د. عبد العزيز ساشدينا
951
قاعدة: «لا ضرر ولا ضرار
يُنظر إلى قاعدة لا ضرر ولا ضرار بحسبانها إحدى أهم القواعد التي بناء عليها تستنبط الأحكام الخاصة بالمعاملات في الإسلام والحال أن فقهاء الشرع المسلمين كانوا قد ناقشوا أمر صلاحية هذا المبدأ، وذلك لأنه يعتبر أحد أبلغ الحجج التي استدلّ بها على إصدار العديد من الأحكام في مختلف مراحل تاريخ تطور الفقه الشرعي. ومما يجعل هذه القاعدة أصيلة عزوها إلى النبي نفسه. ذلك أنه يتفق الفقهاء المنتمون إلى مختلف المذاهب أنه ما أقام هذه القاعدة أحد سوى مؤسس الإسلام نفسه. ومن ثمة فإنه سواء نظرنا إلى هذه القاعدة من جهة نقلها أو من جهة التناسب في المعنى الذي تحمله، فإن الفقهاء أجمعوا على القبول بها من بين القواعد التي أعملوها في كل الأحكام ذات الصلة بحياة الأمة الاجتماعية والسياسية وبالفعل، فإن الفقيه الشافعي المذهب جلال الدين السيوطي نظر إلى قاعدة لا ضرر ولا ضرار باعتبارها من بين الأحاديث الخمسة التي كانت لها سلطة في استنباط القواعد التي يتعلّق بها استخراج أحكام الشريعة الشرعية - الأخلاقية وفضلاً على هذا، أكد على أن غالب الأبواب الشرعية إنما بنيت على مبدأ لا ضرر ولا ضرار، وقد ارتبط ارتباطاً وثيقاً بهذا المبدأ عدد من القواعد من بينها هذه «الضرورات تبيح المحظورات ما لم تؤد إلى مفسدة». وقد اعتبر عدد من الفقهاء أن قاعدة لا ضرر ولا ضرار» من بين القواعد الخمس المشار إليها أدناه التي شكلت الأحكام الجديدة في مجال المعاملات:
الله
1 - تبعية العمل للنية. ومأخذها منقول من النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات».
-
2 - المشقة موجبة لليسر»؛ وهذه القاعدة مأخوذة من الحديث النبوي: (لا ضرر ولا ضرار». 3 - قاعدة اليقين». وهي البناء على الأصل؛ أعني استصحاب ما سبق أو قل قياس الفرع المظنون على الأصل الميقون.
4 ـ «الضرر المنفي»؛ وحاصلها أنها ترجع إلى تحصيل المنافع، أو تقريرها لدفع المفاسد، أو احتمال أخف المفسدتين.
5 ـ «العادة تحدد مجرى الفعل؛ هذه القاعدة تقر بالحاجة إلى الأخذ في النظر العرف عندما يتم الإفتاء.
تشتغل قاعدة لا ضرر ولا ضرار بوصفها مبدأ ومصدراً للقاعدة التي تقول: «الضرورات تبيح المحظورات». وبحسبانها كذلك، فإنها تشير إلى أنه لا يمكن قيام أي تشريع أو تمديد أو تنفيذ أي قانون يؤدي إلى الإضرار بأي فرد في المجتمع. ولهذا السبب، فإن استنباط حكم شرعي وأخلاقي من القاعدة لهو أولى بالنسبة إلى التكاليف الشرعية. وبالفعل فإنه يعد بمثابة رقيب على كل الأوامر الأخرى حتّى يتم التأكد من أن تحقيقها ليس يؤدي إلى إحداث ضرر. وفي حالة ما إذا