النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٩٥٢

952

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

حدث تنازع في أي وضع من الأوضاع، فإن حله الحل النهائي يتم عن طريق تطبيق قاعدة لا ضرر ولا ضرار». مثال ذلك، أن الواجب الأولي المتعلّق بتلقي العلاج يصير محرماً إذا ما كان يؤدي إلى زيادة الآلام والمعاناة في ظروف طبية معينة.

ومن الأهمية بمكان ألا ننسى أن قاعدة لا ضرر ولا ضرار تستغل على نحو أكثر فعالية لما

قاعدة

إذا

تكون قاعدة تعترف بالحق في تسليط مالك على كل ممتلكاته تدخل في تنافس وتنازع مع «لا ضرر». وببساطة، فإن المشكلة هي: كيف تتم حماية حقوق المالك عندما يكون يمارس ممارسة تضر بمصالح غيره. ففي الأوضاع التي يمكن لغياب سلطة تصرف المالك أن تضر بمصالحه، فإن فقهاء الشرع يتحاشون قاعدة لا ضرر ولا ضرار) ويتبعون قاعدة الحق في التصرف. بيد أنه كانت ممارسة التصرف في جزء من الممتلكات تؤدي إلى الإضرار بمصالح الغير، وبالتالي فإن المشاورات تواجه مشكلة التنافس وصراع المصالح. ففي مثل هذه الحالة فإن قبول «قاعدة التصرف» لإقصاء قاعدة لا ضرر تنتج عن رعاية مصالح المالك وحدها. وإذا ما حدث هذا الأمر، فإن بعض الفقهاء يعطون الأولوية لقاعدة التصرف وذلك بغاية إبداء تأييدهم لحق المالك في حماية مصالحه المشروعة وفي الوقت ذاته فإن قاعدة لا ضرر ولا ضرار» تصير بدورها مناسبة في حماية مصالح المالك؛ وذلك لكونها تأخذ في الاعتبار الضرر الذي يمكن أن يحدث إذا ما تم رفض الحق في التصرف.

ثمة مثال آخر عن تنافس المصالح وتعارضها توفره لنا الحالة التي يمارس فيها المالك سلطته في التصرف من دون أي مبرر لجني فائدة أو تفادي، مفسدة، بل من أجل التسلية فحسب. ههنا تصير قاعدة لا ضرر» هي الأولى في توفير الحكم الشرعي، وذلك بغض النظر عما إذا كانت القاعدة تسبب ضرراً أو ضراراً. وبالفعل، فإن سبب ورود الحديث الذي أثبت القاعدة قصة رجل كان له عذق، وكان طريقه إليه في جوف منزل جاره، فكان يجيء ويدخل إليه بغير إذن جاره، فكان الجار يشتكي من أن الرجل يفاجئه على حال لا يحب أن يفاجئه عليها. ومن ثمة فإن قاعدة التصرف تم تفاديها، وفعل الضرر الذي كان يقع على الجار بإفساد المالك خلوته عليه قد استدعى إعمال قاعدة لا ضرر ولا ضرار. وبعبارة أخرى، فإن قاعدة التصرف صارت غير فاعلة بسبب إعمال قاعدة لا ضرر ولا ضرار»؛ وذلك لأن ممارسة سلطة التصرف إنما هي محددة باعتبار الضرر والضرار. وما من ممارسة للتصرف تكون غير معقولة، ولا تسند أو تضر مصالح الفاعل، إلا وتعد حراماً. لكن، من ذا الذي يحدد ما هو المعقول وما الذي ليس معقولاً في مسألة ممارسة حق التصرف؟ في هذه المسألة، فإن العرف والثقافة هما ما يوفر التوجيه المناسب للأمر.

وفي الشريعة، فإن تحديد لا ضرر لاستنباط الأحكام السلبية إنما يتعلّق بالعرف الذي يحدد معاييرها. والعرف أيضاً إنما هو ما يحدد ما إذا كان الضرر قد لحق بالذات أم بالسوى في وضع