النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٩٥٣نظرية الضرر أهم مبادئ الأخلاقيات الاجتماعية
د. عبد العزيز ساشدينا
953
هو
معين. وإذا لم يقل العرف إن فعلا ما يعد ضاراً، فإنه ليس يمكن اعتباره ضاراً بتطبيق القاعدة إياها، ولا هو ينبغي اعتباره محرماً من وجهة نظر الشريعة، وذلك حتَّى ولو هو عد الفعل - معجمياً - ضاراً. ومن الأهمية بمكان ألا يغيب عن أذهاننا أنه عند نهاية المطاف، فإن المشرع الأقدس الذي يحدد معايير الأمر الضار. ومع ذلك، فإنه إذا كان العرف ينظر إلى أمر ما سكت عنه الشرع وما قدم حجة ضده بأنه أمر ضار، فإن الضار يصير في هذه الحالة يحدد بوصفه الوضع الذي يتأدى إلى الظلم وإلى الاعتداء على حقوق الغير وفضلاً على هذا، فإن الأضرار تختلف بحسب من يفعلها، وذلك شأن إيذاء الذات أو ما إذا كان الأذى قد تسبب فيه الغير. ومن ثمة، فإن المنزلة الاجتماعية والثقافية والزمن الذي عاش فيه المرء، كل هذه الحيثيات تلعب دوراً في تحديد الضرر. إذ الضرر مناط بالشخص الذي يقع عليه. ومن هناك فإن ما يعد للوهلة الأولى ضرراً، ويعتبر فعلاً ضاراً في رأي شخص، ليس يمكن أن يعتبر خاطئاً أو غير مبرر في رأي آخر. وإن التجربة البشرية على الرغم من كونها ذاتية تحتل مكانة مهمة في تقويم نوعية الضرر الذي ينبغي رفضه في قاعدة لا ضرر ولا ضرار. وإن السياق الذي وضع فيه النبي الله القاعدة لترك بوضوح أمر تحديد الضرر إنما يحدده الوضع. وفي ما ورد عن الضرر الذي يتسبب فيه جار غير مكترث بخرق خلوة جاره، فإن الأمر كان يتعلّق باعتداء ضار لطرف (إضرار على مصلحة طرف آخر. ومن الأكيد أن قاعدة لا ضرر ولا ضرار لا تجيز - في ما يخص أمر الحكم - بأن يضر المرء بسواه.
وإن تطبيق الحكم في رفض الضرر لا تأثير له على تقويم الوضع الواقعي، وذلك عندما يكون شخص ما يضر بمصالحه الخاصة. وفي نهاية التحليل، فإن التقويم الشخصي للضرر هو الذي يستعمل بوصفه عاملاً حاسماً في تحديد الإلزامات المترتبة ذات الصلة. وهكذا، مثلاً، فإنه عندما يكون شخص ما مريضاً، فإنه هو من يحدد ما إذا كان عليه أن يصوم رمضان، على نحو ما تأمر الشريعة بذلك، وذلك بالنظر إلى الضرر الذي يمكن أن يتسبب الصيام له فيه. وبصرف النظر عن المعايير التي يطبقها المرء في تحديد مستوى الضرر بالأقل أو بالأكثر، فإن العرف الذي يتبعه هو الذي من شأنه أن يحدد ما إذا كان الضرر حادثاً، وتعمد الشريعة إلى إسناده حتَّى حين يحدث تعدد في الآراء في ما يخص أي أشكال الضرر هو الأضر. ومهما تصرفت الأحوال، فإنه لما يقع تعدد في الرأي هذا شأنه، فإن الشرع يتطلب اتباع الحكم الذي يقود إلى أقل الضررين، والذي يتسبب في أقل الأضرار على مصالح الشخص. ومن ثمة، فإنه في حالة مريض في الطور الأخير من مرضه، فإنه إذا كان قرار تمديد حياته يؤدي إلى ضرر أكبر للمريض ولأسرته المباشرة، فإنه ينظر إلى الإبقاء على أجهزة حفظ الحياة على أنه يتسبب في ضرر أكبر للمريض وعلى مصالح الأسرة، ومن هناك يحرم.
ثمة عدد من القواعد التبعية ترتبط بهذه القاعدة الأم لا ضرر ولا ضرار»، بما في ذلك القاعدة التالية: الضرورات تبيح المحظورات التي تصير، تقريباً، جزءًا من تلك القاعدة. إضافة