النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٩٥٤954
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
إلى ذلك، فإن عدداً من الأحاديث ومن الآيات تُستحضر تأييداً لهذه القاعدة كمصدر للحكم الشرعي الأخلاقي المتعلّق بالسعي إلى المنافع وتجنب أسباب المضرة أو اختيار أخف الضررين. وبالجملة، فإن فقهاء الإسلام يشيرون إلى هذه القاعدة التبعية الاشتقاقية في مختلف السياقات ذات الصلة بالمعاملات، وذلك بغاية إقامة الخير وتجنب الإساءة. وفضلاً على ذلك، فإن الفقهاء يقدرون توجيهات تحكم الأوضاع التي يكون على شخص ما فيها أن يختار بين شرين يبدوان متكافئين، أو وضع يكون لأحد الشرين فيه الأولوية لأسباب خارجية أو داخلية. ومن الأهمية بمكان ألا يغيب عن أذهاننا أنه بالرغم من أن الفقهاء لا يشيرون إلى الأحاديث الداعمة للقاعدة إشارة مباشرة، فإنهم، في السياقات المختلفة التي يطبقون فيها القواعد الخمس، يؤكدون أنها متضمنة في مصادر التشريع الإسلامي الأربعة الأساسية: القرآن والسُّنَّة والإجماع والاستدلال العقلي (القياس). هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن بعض الفقهاء يعلّلون قاعدة الضرورات تبيح المحظورات على أساس الحديث نفسه الذي كان وضع قاعدة لا ضرر، والذي هو لا ضرر ولا ضرار».
وبالرغم من ذلك، فإن المسألة تبقى هي
أنه
مسألة أن ما أن أعلن رفع تطبيق القاعدة إلى درجة مبدأ حتَّى كان له تطبيق واسع مرتبط بمجال الأخلاق الاجتماعية (المعاملات). والمشكلة في تطبيق القاعدة إنما كانت الصلة بتحديد الضرر الواقع بالفعل. هل كان الضرر الواقع من الموضوعية بما فيه الكفاية حتَّى يتجاوز الادعاءات الواردة بشأنه؟ وكما ناقشنا هذا الأمر من ذي قبل، فإن الحديث يستعمل لفظ «الضرر» في معناه الواسع حتَّى إنه ليشمل كل أذى يشعر به شخص ما، أكان أذى مادياً أم معنوياً. وفي نفس الوقت فإن التجربة البشرية المتعلقة بالضرر هي مفتاح تقويمه الواقعي بوصفه كذلك. لكن توجد أدلة في التقويم الشرعي للمفهوم توحي أنه حتّى عندما تبدو بعض الأفعال عند أول النظر مضرة وغير مبررة؛ فإنه ليس ينبغي إعطاؤها معنى مطلقاً. ومن البديهي توجد أفعال تعد مضرة، وهي تتوقف عن أن تظل كذلك ما أن يتم تجاوز طابعها السلبي. ولقد انطبق هذا الأمر على القضايا التي تعالج الأفعال التي صنفت بوسمها ضارة في مجال العلاقات بين الله والإنسان، وبين بني البشر في ما بينهم على حد السواء. وفضلاً على صعوبة تحديد حقيقة الضرر، فإن ثمة صعوبة أخرى تبرز من اعتبار أن الشارع ليس يشرع أمراً يضر ببني البشر. وبعبارة أخرى، فإن الإله ليس يطلب من البشر أن يأتوا أفعالاً تؤدي إلى الإضرار بأنفسهم أو بأغيارهم. ثمة آيتان وردتا في القرآن الكريم تشيران إلى القاعدة، بوسمها أمراً سلبياً، في وضع ذي صلة بالنزاع بين ضررين أو بين ضرر ومنفعة، والشارع يعطي الأولوية لأخف الضررين: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمُ كَبِيرُ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَفْعِهِمَا﴾ (البقرة: 219]، ويقول تعالى: وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَةٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الفتح: 25].
روم
هاتان الآيتان تؤولان على أساس أنهما أمر سلبي ضدّ إحداث الضرر أو الضرار. ولا وجود لتراتب