النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٩٥٥نظرية الضرر أهم مبادئ الأخلاقيات الاجتماعية
د. عبد العزيز ساشدينا
955
معياري مقترح في شأنهما. وفي حالة التنازع، فإن الأولوية تعطى لعدم الإضرار، غير أن التوجيه يختلف بحسب الظروف بحيث لا توفر أية قاعدة قبلية تتطلب تقديم تجنب الضرر على تحقيق النفع. وإنما تحتاج ببساطة إلى ترجيح فعل في ظرف صراع بين الأمرين في حال ما إذا كان الأمر يتعلّق بكف الضرر وتحقيق النفع.
ويعتبر بعض الفقهاء الشيعة الحديث الذي يقول: لا ضرر ولا ضرار بحسبانه مصدر مبدأ شرعي بين المبادئ التي تطبق في استنباط أحكام الشريعة وهم يوردون أحاديث عدة أخرى تتحدث عن نفي الضرر في كل المجالات ذات الصلة بالمعاملات تعزز هذه الوجهة من النظر. وبالفعل، فإنه كما يذهب إلى ذلك هؤلاء الدارسون، فإنه بما أن هذا الحديث (لا ضرر ولا ضرار» تورده كل المذاهب الإسلامية، فإنه ينبغي أن يحظى بمنزلة مبدأ يكون بمثابة أصل تؤصل عليه كل الأوامر المتعلّقة بالمعاملات.
هذا بينما عمد بعض العلماء الشيعة الآخرين إلى السماح بإعطاء هذه القاعدة الأولوية، وذلك بإدخال القاعدة المتعلقة برفض الضرر في مناقشاتهم الدائرة على النظرية الشرعية. لقد أولوها عناية مهمة - تعززها مصادر أخرى شأن القرآن والسُّنَّة - في استنباط الأحكام الجديدة. وإن مسألة التعويض عن الضرر لتحتل مكانة مرموقة في الأحكام المتعلقة بالشخص المتسبب في الضرر المسؤول عن التعويض المناسب. فبمجرد أن تقوم السلطة الشرعية الضرر الذي حدث، حتَّى يصير تطبيق القاعدة أمراً منتهياً منه، لا سيما عندما يكون الشخص المذكور مسؤولاً بكل تأكيد عن التعويض. وإذ استعمل هؤلاء حجة عقلية، فإنهم بينوا أن من المعقول، بل من الطبيعي، أن ننتظر من الشخص الذي تسبّب في الضرر أو في الإضرار أن يعد مسؤولاً عن التعويض. وفي الواقع، فإن الأمرين معاً، التسبب في الضر وفي الإضرار، يستدعي التعويض في الشريعة. وبعبارة أخرى، فإنه ليس يمكن للمرء أن يفلت من أداء التعويض باللجوء إلى قاعدة التخفف من المسؤولية، وذلك لما تكون قاعدة لا ضرر» تعتبره مسؤولاً عن التعويض. وبالتوازي مع ضرورة تعويض ضحية الضرر، فإن بعض فقهاء الشيعة ذهبوا إلى أنه بالرغم من كون أن تسبب المرء في الضرر لنفسه أو لغيره يعد أمراً محرماً، فإنه يلزم تفادي الإضرارات التي لا يمكن فيها للمتضرر أن يعوض، مثلما أكد على ذلك الشرع. إن مسؤولية التعويض في حال وقوع الضرر والضرار المتجذرة في الطبيعة البشرية، ومؤكد عليها من لدن المشرع المقدس الذي لم يستثن كل ما يمكنه أن يتسبب في إلحاق الضرر من دون الأخذ في الاعتبار التعويض المستحق. وفي الأحوال العديدة التي يكون فيها على فاعل ما أن يتأذى من الإضرار بمصالحه، فإن الشريعة قد حددت مستوى ثابتاً من التعويض. وفي الحالات غير المنصوص عليها، فإن الشريعة أجازت حلاً منصفاً عبر اللجوء إلى آلية التحكيم طالما أن مشروعية المطالبة بالتعويض لا تكون محل تنازع