النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٩٥٦

956

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

وبالجملة، فإن غالب الفقهاء قبلوا القاعدة بوصفها أحد أهم مصادر اتخاذ الحكم الشرعي الأخلاقي. وذلك مثلما أن غيرهم نظر إلى القاعدة بوسمها ذات صلة وثيقة بقاعدة أخرى تنص على أنه «لا حرج ولا عسر»؛ وذلك بقطع النظر عما إذا كان الحرج والعسر قد تسبب فيهما الله أو الكائن البشري. وقد وضعوا للحديث النبوي لا ضرر ولا ضرار ثلاث دلالات:

1 - أنه يعني بكل بساطة النهي.

2 - أنه يعني ببساطة النهي عن إحداث الضرر وذلك من غير تعويض.

3 - أنه يعني أن الله لا يريد الضرر لخلقه، وذلك لا من جانبه سبحانه ولا من جانب البشر.

بحسب

والحال أن نفي الضرر عُلّق، قصدياً، في الأخلاقيات الاجتماعية الإسلامية (المعاملات)، بوجوب الاستصلاح وباعتبارهما مسألة تحدث في الواقع، فإن واجب عدم الإساءة وواجب الإحسان عولجا مبدأ واحد هو مبدأ الاستصلاح وليس يمكن أن يتحقق هذان الواجبان من دون اتخاذ إجراءات صارمة بعدم الإضرار بالأغيار، بما في ذلك عدم قتلهم أو معاملتهم بقسوة. وهما واجبان يقتضيان الأخذ في الاعتبار ترجيح كفة المنافع على كفة المضار، والإيفاء بالعهود. تأسيساً عليه، فإن الأخلاقيات الطبية الإسلامية تنظر إلى مبدأ لا ضرر ولا ضرار بوصفه محورياً في التصور الإسلامي للرعاية الصحية. ولهذا السبب، فإن ثمة تقييماً دائماً للوضع الذي تعطى فيه الأولوية لواجبات تجنب الضرر بغاية إصدار حكم أخلاقي. وفي حالات النزاع بين ضرر ممكن ومنفعة ممكنة، فإن كل حالة فردية من حالات مثل هذا النزاع تتطلب تقييماً دقيقاً للقاعدة التي تقول: «دفع المضار أولى من جلب المنافع. ومن المؤكد أن مبدأ لا ضرر ولا ضرار» يجد أصله في الوحي والعقل معاً. وإن البشر العقلاء ليقدرون على التعرف على مصادر الحياة الطيبة في النصوص المقدسة كما في العقل البشري سواء بسواء.

غير أن مسألة ما إذا كان واجب عدم إلحاق الضرر يمكن أن يعد أحد مبادئ أو قواعد النظام الأخلاقي - الطبي (البيو - إثيقي) بقيت مسألة خلاف بين الفقهاء المسلمين. بيد أنه من المؤكد أنه حتَّى العقلاء الموضوعيين منهم - شيعة ومعتزلة سنة - الذين ينظرون إلى العقل البشري بحسبانه الحكم الوحيد في أمر تحديد المضرة أو المنفعة، ناقشوا مسألة مركزية هذا الواجب في المداولات الأخلاقية المتصلة بمجال المعاملات البشرية، بما فيها الظروف الطبية الإحيائية. ففي حوالى تسعين بالمائة من الحالات التي يجد أصحاب الرعاية الطبية أنفسهم أمامها في العالم الإسلامي، فإن مسألة الضرر والضرار كانت في صلب المداولات الأخلاقية. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنه في الأحكام التي تمت دراستها، من أجل إعداد هذا العمل فإن الفقهاء قدموا كلهم تقريباً حججاً مبنية على واجب عدم الإضرار، وهكذا، مثلاً، فإنه في الفتاوى ضد الاستنساخ