النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٩٦١

نظرية القبض

د. محمد بن راشد بن صالح الغاربي

961

الفرع الثاني: تعريف القبض اصطلاحًا

لا تتحرّر في معنى القبض في الاصطلاح عند الجمهور عبارة جامعة مانعة؛ لأنه يختلف باختلاف محل العقد؛ إذ مبنى القبض في الشرع على العرف)، وإلى هذا المعنى ألمع الخطابي، حيث قال: «القبوض تختلف في الأشياء بحسب اختلافها في أنفسها، وحسب اختلاف عادات الناس فيها» (2). وقد تعاور معنى هذه العبارة كثير من الفقهاء

وما ينشأ من خلاف بين العلماء، في اعتبار بعض الأشياء قبضاً، واعتبار آخرين لها أنها ليست بقبض، فمردُّه إلى العرف؛ هل يعتبرها قبضاً أو لا يعتبرها؟ (4). وأصل هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم أطلق ذكر القبض، كما أطلق .. الإحياء في الموات والإحراز في السرقة؛ لاختلافها، وأن للناس عرفاً معتبراً فيها … » (5).

(6)

أما الحنفية والظاهرية فعرّفوا القبض: بأنّه التّخلية والتخلي) ومعنى التخلية: «أن يخلّي البائع بين المبيع وبين المشتري برفع الحائل بينهما، على وجه

يتمكن المشتري من التصرف فيه، فيجعل البائع مسلماً للمبيع، والمشتري قابضاً له».

ومع

ما أشرت إليه من خلاف بين الحنفية والظاهرية من جهة وبين الجمهور من جهة أخرى؛ فإن بعض الفقهاء حاول أن يضع للقبض تعريفاً، يشمل جميع أفراده، وينتظم كل أنواعه، فعرفه ابن عبد السلام بقوله: (قولهم: قبضت الدار والأرض والعبد والبعير، يريدون بذلك الاستيلاء والتمكن من التصرف، واقتصر القرافي على الشّقِّ الأول من التعريف، حيث قال: «والقبض: هو الاستيلاء». وعرفه بعض المعاصرين بأنه: حيازة الشيء حقيقة أو حكماً (10).

ومن نظر في هذه التعريفات يرى أنها لا تكشف حقيقة القبض الاصطلاحي على وجه الكمال والتمام؛ لأنها ذاتها بحاجة إلى شرح وبيان؛ إذ لا تعدو أن تكون تفسيراً لمعناه العام وشرحاً لمدلوله

(1) المواق، التاج والإكليل، ج 6، ص 413. والغزالي الوسيط، ج 3، ص 152 والنووي، المجموع ج 9، ص 333. وابن قدامة، المغني، ج 4، ص 101.

(2) الخطابي، معالم السنن، ج 3، ص.117 وأعلام الحديث، ج 2، ص 1039. (3) الغزالي، الوسيط، ج 3، ص 152 وابن قدامة المغني، ج 4، ص 101. والكافي، ج 2، ص 19. وابن مفلح، المبدع، ج 4، ص 122. (4) الهيثمي، تحفة المحتاج، ج 6، ص 34. وابن قاسم العبادي، حاشية ابن قاسم العبادي على تحفة المحتاج، ج 6، ص 34. (5) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 5، ص 226.

(6) الكاساني، بدائع الصنائع، ج 4، ص 498. ابن حزم، المحلى، ج 7، ص 472

(7) الكاساني، بدائع الصنائع، ج 4، ص 498. ويُنْظُرُ: ابن عابدين حاشية ابن عابدين، ج 7، ص 96. (8) ابن عبد السلام الإشارة إلى الإيجاز، ص 106.

(9) القرافي الذخيرة، ج 5، ص 120.

(10) العاني، القبض: أنواعه، وأحكامه في الفقه الإسلامي، بحث منشور في مجلة مجمع الفقه الإسلامي، ج 6، ص 352.