النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٩٦٧

نظرية القبض

د. محمد بن راشد بن صالح الغاربي

|

967

وبناءً على هذا فهذا القول هو عين ما قال به الشافعية في أصح الوجهين عندهم كما مر، لكن ابن عابدين عدَّ هذا التقييد مخالفاً للروايتين - أي ما روي عن أبي حنيفة من القول بأنه قبض مطلقاً، وما نقل عن صاحبيه في ظاهر الرواية من أنه ليس قبضاً - وأنه لا يمكن التوفيق بحمل ما جاء في ظاهر الرواية من إطلاق عدم اعتبار التخلية في البعيد قبضاً على ذلك المحمل معللاً ذلك بقوله: «لأن المعتبر فيها القرب الذي يتصور فيه حقيقة القبض … ». وتعقبه الرافعي بأنه صالح لتقييد ظاهر الرواية؛ «تنزيلاً للتمكن من القبض بالذهاب … منزلة القبض، كما نزلت التخلية مقام القبض الحقيقي؛ لتصور القبض في كل.

(1)

والمراد بالبعيد عند الحنفية ما لا يقدر على قبضه بلا كلفة ومشقة، والقريب ما كان بخلاف ذلك، كما تدل عليه نصوصهم، ففي البحر الرائق وغيره: (وإن كانت قريبة ـ أي الدار ـ كان قبضاً، وهي: أن تكون بحال يقدر على إغلاقها، وإلا فهي بعيدة. وفي جمع النوازل: «دفع المفتاح في بيع الدار تسليم؛ إذا تهيأ له فتحه من غير تكلّف» (4).

وعلى هذا عولت مجلة الأحكام العدلية). واستظهر ابن عابدين أن المراد بقرب الدار: أن تكون في البلد (6).

وفي هذا بعد؛ لأن التخلية إنما أقيمت مقام التسليم، لكون المشتري قريباً من المبيع ـ كما يفهم من نصوص فقهاء الحنفية - بحيث يتصور منه القبض الحقيقي، ومجرد كون الدار بالبلد وهو بعيد عنها - لا سيما إن كانت شاسعة الأطراف - لا يتصور معه ذلك.

واستدل الحنفية لما ذهبوا إليه من أن التخلية في المبيع الغائب غير المنقول لا تكون قبضاً بأن التخلية إنما أقيمت مقام القبض في القريبة لتصور القبض الحقيقي فيه في الحال، وأما إن كان بعيداً فلا يتصور فيه القبض الحقيقي في الحال، فلا تقام التخلية مقام

القبض (8).

(1) ابن عابدين رد المحتار على الدر المختار، ج 7، ص 98.

(2) الرافعي، تقريرات الرافعي على رد المحتار، ج 7، ص 98، بهامش رد المحتار.

(3) ابن نجيم، البحر الرائق، ج 5، ص 515 والحصكفي، الدر المنتقى في شرح الملتقى، ج 3، ص 33.

(4) المصادر السابقة نفسها.

(5) حيدر، شرح مجلة الأحكام العدلية، ج 1، ص 254، مادة 270.

(6) ابن عابدين رد المحتار، ج 7، ص 96.

(7) الرافعي، تقريرات الرافعي على رد المحتار، ج 7، ص 96.

(8) البغدادي، مجمع الضمانات، ج 1، ص 485، وابن عابدين رد المحتار، ج 7، ص 97.