النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٩٦٨968
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الفرع الثاني: في قبض ما ينقل
وفيه مقصدان
المقصد الأول: اتجاهات الفقهاء، ومذاهبهم في قبض ما ينقل
للعلماء في قبض المنقول اتجاهان:
الاتجاه الأول: أن قبض المنقول، هو عين قبض ما لا ينقل بلا فرق بينهما، وهي: التخلية والتخلي. وقد مر تفسير التخلية.
وإلى هذا ذهب الحنفية (1) سواء أكان المنقول مما له مثل، أو كان مما لا مثل له، وخير من أبان هذه المسألة من الحنفية الكاساني وإليك نص كلامه فيها برمته؛ لنفاسته ووضوحه، حيث أطراف المسألة واستوعب أحكام صورها؛ يقول الكاساني: لا خلاف بين أصحابنا في أن أصل جمع القبض يحصل بالتخلية في سائر الأموال، واختلفوا في أنها هل هي قبض تام فيها أم لا؟
وجملة الكلام فيهما: أن المبيع لا يخلو إما أن يكون مما له مثل، وإما أن يكون مما لا مثل له، فإن كان مما لا مثل له من المزروعات والمعدودات المتفاوتة، فالتخلية فيها قبض تام بلا خلاف، حتى لو اشترى مزروعاً مزارعة، أو معدوداً معاددة، ووجدت التخلية يخرج عن ضمان البائع، ويجوز بيعه والانتفاع به قبل الزرع والعد بلا خلاف.
وإن كان مما له مثل فإن باعه مجازفة فكذلك؛ لأنه لا يعتبر معرفة القدر في بيع المجازفة. وإن باع مكايلة أو موازنة في المكيل والموزون وخلّى، فلا خلاف في أن المبيع يخرج عن ضمان البائع، ويدخل في ضمان المشتري، حتى لو هلك بعد التخلية قبل الكيل والوزن، يهلك على المشتري، وكذا
غير أنهم اختلفوا في علة منع التصرف في المكيل والموزون قبل كيله أو وزنه، أهو أمر تعبدي، أم لانعدام تمام القبض فيه؟ على قولين:
القول الأول: أن المنع من التصرف في المكيل والموزون قبل الكيل أو الوزن ثبت شرعاً غير
معقول المعنى.
(1) الكاساني، بدائع الصنائع، ج 4، ص 498 - 499،والمرغيناني الهداية، ج 4، ص 1555.
(2) بيع المجازفة، أو الجزاف: بيع الشيء بلا كيل ولا وزن ولا تقدير، وهو فارسي معرب، والجُزاف بكسر الجيم وضمها وأجاز النووي في شرحه على صحيح مسلم الفتح، يُنْظَرُ: النووي، تحرير ألفاظ التنبيه، ص 193، وشرح صحيح مسلم، ج 10، ص 411.