النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٩٦٩

969

|

نظرية القبض

د. محمد بن راشد بن صالح الغاربي

ووجه هذا القول: إن معنى القبض يتحقق بالتخلية - على ما سيأتي بيانه ـ وهي متحققة هنا؛ ولهذا يدخل ما بيع كيلاً أو وزناً قبل كيله أو وزنه، في ضمان المشتري بالتخلية - كسائر المبيعات - بلا خلاف عندهم، فدل ذلك على أن التخلية قبض فيه، وإنما حرم التصرف فيه تعبداً؛ لما رواه ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يكتاله».

القول الثاني: إن حرمة التصرف فيه راجعة إلى كون القبض فيه ناقصاً غير تام، وكما لا يجوز عندهم التصرف في المبيع المنقول قبل قبضه أصلاً، لا يجوز من دون تمام قبضه. والدليل على أن الكيل والوزن في المكيل والموزون الذي بيع مكايلة وموازنة من تمام القبض أن القدر في المكيل والموزون معقود عليه؛ ولذا لا تطيب الزيادة للمشتري فيما إذا كيل المبيع أو وزن فزاد عن المقدار الذي وقع عليه العقد، ولو نقص طرح له من الثمن بمقداره». فواضح من سوق كلام الكاساني، والنظر في كلام غيره من علماء الحنفية أن التخلية قبض تام في المنقول غير المكيل والموزون اتفاقاً، يترتب عليها:

(3)

1 - انتقال الضمان من البائع إلى المشتري.

2 - وجواز التصرف في العين المملوكة.

وأما المنقول إن بيع بكيل أو وزن، فأصل القبض متحقق فيه بالتخلية قبل كيله أو وزنه بلا خلاف؛ ولذا يدخل في ضمان مشتريه بالتخلية قبل كيله أو وزنه، غير أنه لا يجوز التصرف فيه قبلهما اتفاقاً، وهل ذلك؛ لعدم تمام القبض أو للنهي عن ذلك تعبدا؟ قولان مر بيان وجههما. وإلى القول بأن التخلية قبضُ للمنقول الذي لا يتعلّق به حق توفيةٍ أو تقدير ذهب الزيدية (4) وهو القول الأشهر عند الإباضية (5). وحكاه حرملة قولًا للشافعي. وحكى الخراسانيون من أصحاب الشافعي عنه: أن التخلية

(6)

409

(1) أخرجه مسلم، صحيح مسلم، كتاب البيوع، باب بطلان بيع المبيع قبل القبض، برقم (3818)، ج 9، ص 9 النووي عليه، وأبو داود في السنن، كتاب البيوع، باب في بيع الطعام قبل أن يستوفى، برقم، (3496) ص 596. (2) الكاساني، بدائع الصنائع، ج 4، ص 499 - 500.

51

مع شرح

(3) القبض نوعان: قبض تام وقبض ناقص انظر المرغيناني الهداية، ج 3، ص 959، وابن الهمام، فتح القدير، ج 6، ص 346. (4) المرتضى، البحر الزخار، ج 4، ص 169، والأزهار، ج 3، ص 1 مع شرحه السيل الجرار. (5) ينظر: الكندي، المصنف، ج،24، ص 24 - 26، والثميني، كتاب النيل وشفاء العليل، ج 8، ص 63، مع شرحه، والسيابي، سلك الدرر، ج 2، ص 67.

(6) حرملة بن يحيى بن عبد الله التجيبي، أبو حفص المصري، أحد أصحاب الشافعي، وكبار رواة مذهبه الجديد، صنف المبسوط المختصر، ولد سنة ست وستين ومائة، ومات سنة ثلاث وأربعين ومائتين. يُنْظُرُ: ابن قاضي شهبة، طبقات الشافعية، ج 2، ص 61.

(7) الغزالي، الوسيط، ج 3، ص،152، وروضة الطالبين ج 3، ص 5 ص 176.