النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٩٧٩

979

|

نظرية القبض

د. محمد بن راشد بن صالح الغاربي

النوع الثاني: قبض حكمي، تقديري، يقام مقام القبض الحقيقي، وينزل منزلته، ويأخذ أحكامه، في حالات عديدة؛ لمسوغات تقتضي اعتباره كذلك.

(1)

وقد ذكر العلماء هذا النوع من نوعي القبض في متفرق كلامهم ونص بعضهم على مواضع يعطى فيها حكم القبض الحقيقي، وإن لم يفيضوا فيه، ويولوه من التفصيل ما أولوه صنوه (2) والقبض الحكمي مجال رحب ومسلك خصب، ومهيع واسع للنظر منه إلى النوازل الكثيرة، والمسائل المستجدة، في قبض الأموال، لاستخراج حلول شرعية، والتماس طرائق جديدة في القبض، تحقق سرعة انسياب الأموال بسهولة ويسر، وتراعي حكم الشارع بتحقيق مقاصده ومراميه، في ما يشترط فيه القبض من الأموال.

والمتتبع لنصوص الفقهاء، المستقرئ لها، يجد أن الفقهاء أنزلوا القبض الحكمي منزلة القبض الحقيقي في مسائل عديدة، ومن الحالات التي أعطى الفقهاء فيها القبض المعنوي من الأحكام ما أعطوه للقبض الحقيقي ما يلي:

أولاً:

: إن التخلية والتمكين من قبض ما لا ينقل كالأرض، والدور، والأبنية تقوم مقام القبض

الحقيقي فيها (3).

ثانياً: ينزل القبض الحكمي منزلة القبض الحقيقي في المنقولات عند الحنفية؛ فإذا رفع البائع الموانع عن القبض للمشتري، ومكنه مما اشتراه منه عُدَّ المشتري قابضاً للمبيع، ولو لم يقبضه حقيقة. قال ابن عابدين: «التخلية قبض حكماً، ولو مع القدرة عليه ـ أي القبض الحقيقي - بلا كلفة» (4). وقال الأتاسي: (إن التخلية بين المشتري والمبيع، تقوم مقام القبض الحقيقي، إذا كانت على وجه يتمكن فيها المشتري من القبض بعد أن أذن له البائع بقبضه» (5).

ثالثاً: ذهب طوائف من أهل العلم من مختلف المذاهب الفقهية إلى أن تخلية البائع بين المشتري وما اشتراه قبض في المنقول الذي لا يتعلق به تقدير ولا حق توفية.

(1) ابن عابدين رد المحتار، ج 7، ص 96، والدردير الشرح الكبير، ج 4، ص 246، والزركشي، المنثور، ج 2، ص 407، وابن حجر، فتح الباري، ج 5، ص 278.

(2) المصادر السابقة نفسها.

ص

(3) أبو ستة، حاشية أبي ستة على الإيضاح، ج 3، ص 37، واطفيش، شرح النيل، ج 8، ص 63، الكاساني، بدائع الصنائع، ج 4، 498، والمرغيناني، الهداية شرح بداية المبتدي، ج 4، ص 1555، والقرافي الذخيرة، ج 5، ص 120، والدردير، الشرح الكبير، ج 4، ص 235، والشيرازي المهذب، ج 3، ص 33، والغزالي الوسيط، ج 3، ص 152، والرافعي، فتح العزيز، ج 4، ص 305، والنووي والمجموع، ج 9، ص 333، وابن قدامة المغني، ج 4، ص 101، والمقنع، ص 166، وابن حزم، المحلى، ج 7، ص 472، والمرتضى البحر الزخار، ج 4، ص 369، والنجفي، جواهر الكلام شرح شرائع الإسلام، ج 23، ص 148. (4) ابن عابدين رد المحتار، ج 7، ص 370. وينظر: الأتاسي، شرح المجلة العدلية، ج 2، ص. (5) الأتاسي، شرح المجلة العدلية، ج 2، ص 192.

192