النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٩٨١

نظرية القبض

د. محمد بن راشد بن صالح الغاربي

981

هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم أطلق ذكر القبض، كما أطلق الإحياء في الموات والإحراز في السرقة؛ لاختلافها؛ وأن الناس عرفاً معتبراً فيها … ). وهذا هو مورد القاعدة الفقهية الشهيرة: «لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان» (2).

وقد أفاض الفقهاء في تقرير أثر العُرف في مسألة القبض، وعقد البخاري لذلك باباً وترجم له بقوله: «باب: من أجرى أمر الأمصار على ما يتعارفون بينهم في البيوع والإجارة والوزن، وسننهم على نيّاتهم ومذاهبهم المشهورة) (3). قال ابن حجر: «قال ابن المنير وغيره: مقصوده بهذه الترجمة إثبات الاعتماد على العرف وأنه يقضي به على ظاهر الألفاظ» (4). وقال العيني في شرحه لهذا الباب إثر ذكره: (أي: هذا باب يذكر فيه من أجرى أمر الأمصار على ما يتعارفون بينهم. أي: على عرفهم وعوائدهم في أبواب البيوع، والإجارات، والمكيال … كل شيء لم ينص الشارع أنه كيلي أو وزني يعمل في ذلك على ما يتعارفه أهل تلك البلدة … ؛ لأن الرجوع إلى العرف جملة من القواعد الفقهية … ). وحاصل الكلام أن البخاري قصد بهذه الترجمة إثبات الاعتماد على العرف والعادة). وقال القاضي حسين من الشافعية: إن الرجوع إلى العرف أحد القواعد الخمس التي يبني عليها الفقه … ومنها: الرجوع إليه في فعل غير منضبط يترتب عليه الأحكام: كإحياء الموات، والإذن في الضيافة … وما يعد قبضاً، وإيداعاً، وهدية وغصباً، وحفظ وديعة … ». وقد نوه بذلك وأكد عليه ابن عابدين في رسالته نشر العَرْف في بناء بعض الأحكام على العرف (8).

وإذا تقرر ذلك فإن التعويل على هذا الضابط، والاعتماد عليه يسهل الأمر في عد ما يعتبر قبضاً وما لا يعتبر، ويمهد السبيل للنظر من خلاله إلى صوره التي قد تجد أهي قبض صحيح أو

ليست بقبض؟

ولم يطرأ على القبض في الأعيان القائمة كبير تغيير ولم يَجِدٌ فيها في عصرنا الحاضر كثير من الصور، فقبض غير المنقول - سواءً أكان أرضاً أم دوراً أم مصانع - هو نفس ما كان عليه في الماضي، وهو التخلية والتمكين وقد عَدَّ بعض الباحثين صورة التسجيل العقاري في السجل العقاري

(1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 5، ص 226.

(2) الزرقا، شرح القواعد الفقهية، ص 227. (3) البخاري، الصحيح، ج 4، ص 512، مع فتح الباري.

(4) ابن حجر، فتح الباري، ج 4، ص 513.

(5) العيني، عمدة القارة، ج 12، ص 16.

(6) العيني، عمدة القارة، ج 12، ص 16.

(7) ابن حجر، فتح الباري، ج 4، ص 513.

(8) ابن عابدين، نشر العرف في بناء بعض الأحكام على العرف، ج 2، ص 13، ضمن رسائل ابن عابدين.