النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٩٨٦

986

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

لا خلاف عن مالك وأصحابه في غير المأكول والمشروب، نحو الثياب وسائر العروض، العقار وغيره، أنه يجوز بيعها قبل قبضها، ممن اشتري منه ومن غيره) (1). وقال في الكافي: «كل ما اشتريت من العروض كلها الحيوان والعقار والثياب، وغير ذلك، ما خلا المبيع من الطعام على الكيل، فلا بأس عند مالك أن يبيع ذلك كله قبل أن يقبضه … وكذلك ما ابتعت منه وزناً أو عدداً، لم يجز بيع شي من ذلك حتى يقبضه ويستوفيه، بالوزن أو بالعدة، أو بالكيل، على حسب سنته في موضعه» (2).

فمناط المنع من بيع الطعام قبل قبضه في مشهور مذهب مالك إذا بيع الطعام

توفية، من كيل، أو وزن، أو

عدد

- عند بعضهم

6 -

فأما

متعلقاً

به حق

إن بيع جزافاً أو مصبراً (3) فيجوز بيعه قبل

قبضه، ونقله من موضعه. ففي المدونة: قال: قال مالك: كل شيء من الطعام لا يباع إن اشتري حتى يستوفى … إذا اشتريته كيلاً أو وزناً» (4). وقال أيضاً: إذا كان الطعام الذي بعينه كيلا أو وزناً فلا يصلح أن يبيعه حتى يقبضه، فإن كان الذي بعينه مصبراً، فلا بأس أن يبيعه قبل أن يقبضه» (5). وبهذا قال الأوزاعي).

وقد نص ابن عبد البر على انفراد الأوزاعي بمتابعة مالك فيما ذهب إليه، من التفرقة بين الجزاف والمكيل من الطعام، لكن ابن حجر عزا التفرقة بين الجزاف والمكيل من الطعام إلى

(1) ابن عبد البر، التمهيد، ج 16، ص 340، ويُنْظُرُ: التمهيد، ج 13، (2) ابن عبد البر، الكافي، ص 319.

ص

327 - 326

(8)

(3) نقل غير واحد من أهل العلم الاتفاق على جواز بيع الصبرة من الطعام جزافاً، إذا جهل البائع والمشتري قدرها؛ لحديث ابن عمر عند الشيخين وغيرهما: «كنا نشتري الطعام من الركبان جزافاً، فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نبيعه حتى ننقله من مكانه». وهل يكره بيع الصبرة جزافاً؟ في ذلك قولان، قال النووي - في شرحه لصحيح مسلم، ج 10، ص 411 ـ: «وهل هو مكروه؟ فيه قولان للشافعي، أصحهما مكروه كراهة تنزيه والثاني ليس بمكروه». وبالكراهية قال أحمد وابن سيرين وعطاء ومجاهد، وعكرمة كما نقل ذلك عنهم ابن قدامة في المغني، ج 4، ص 113. ووجه الكراهية ما في ذلك من الغرر. فإن علم البائع قدر صبرته لم يجز له بيعها عند مالك وأصحابه حتى يعلم المشتري، وبه قال القاضي أبو يعلى وأصحابه فإن فعل فهو غاش، وللمشتري الخيار إذا علم يُنْظُرُ: ابن عبد البر، التمهيد، ج 13، ص 240، وابن قدامة، المغني، ج 4، ص 113، والجصاص، مختصر اختلاف الفقهاء، ج 3، ص 62، وعبد الوهاب، المعونة، ج 2، ص 18. وعن أحمد في ذلك روايتان: الأولى: أن من عرف مبلغ شيء لم يبعه صبرة، قال الزركشي، ج 3، ص 554) هذا منصوص أحمد وعليه الأصحاب؛ حذراً من تغرير المشتري وغشه إذ البائع لا يفعل ذلك غالباً إلا لذلك، والغش حرام، وبناء على هذه الرواية فهل يفسد البيع أو لا يفسد؟ في ذلك وجهان والرواية الثانية عن أحمد أن فعل ذلك مكروه، غير محرم. وعليه فلا فساد يُنْظَرُ: المصدر السابق، ج 3، ص 554. قلت: روى عبد الرزاق في مصنفه، ج 8، ص 197، برقم (14602) عن الأوزاعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل لرجل أن يبيع طعاماً جزافاً قد علم كيله حتى يعلم صاحبه». وهذه رواية معضلة، لأن الأوزاعي من تابعي التابعين.

(4) مالك، المدونة، ج 3، ص 132. (5) المصدر السابق، ج 3، ص 133.

(6) ابن عبد البر، التمهيد، ج 13، ص 336، والاستذكار، ج 19، ص 257، والعراقي، طرح التثريب، ج 5، ص 112. (7) ابن عبد البر، التمهيد، ج 13، ص 336.

(8) التقييد بكون المبيع من الطعام يدل عليه السياق، والسابق واللاحق من الكلام.