النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٩٩١نظرية القبض
د. محمد بن راشد بن صالح الغاربي
|
991
الطعام قبل القبض، فقد تفاوتت أنظار العلماء فيه، وتسابقت أفهامهم في إدراك غاياته ومراميه، على أقوال:
القول الأول: إن هذا النهي تعبدي وليس معللاً بعلة البتة).
القول الثاني: إن علة النهي هي: ضعف ملك المشتري في المبيع وعدم استقرار ملكيته عليه، ويترتب على ذلك أمران منهي عنهما:
الأول: إن في بيع المبيع قبل قبضه غرراً؛ فإن من اشترى شيئاً ثم باعه قبل أن يقبضه، كانت مصيبته من البائع الأول، ولا يلزم البائع الثاني تجاه البائع الأول شيئاً، وفي ذلك من الغرر ما لا خفاء فيه (2)، والغرر منهي عنه من قبل الشارع.
الثاني: أن في بيع المبيع قبل قبضه ربح ما لم يضمن؛ وذلك أنه إذا ثبت أن هلاك المبيع على البائع الأول، فقد ربح البائع الثاني من مبيع لم يلزمه ضمانه (4)؛ ما وربح لم يُضمن منهي
عنه (5)
وفي ذلك نظر؛ فإن الصحيح أن ملك المشتري يستقر على المبيع بالإيجاب والقبول؛ إذ بهما يعرب كل من المتبايعين عن إرادته في تملك ما عند الآخر، ويعبر عن رضاه، وذلك هو مناط صحة البيع، وإنما القبض حق ينشأ عن التعاقد وثمرة له، وإذا ثبت ذلك انتفى المحذوران: الغرر، وربح ما لم يضمن. وسيأتي لهذه المسألة مزيد بسط).
القول الثالث: أن علة النهي، هي: العينة. وقد كان التعامل بها شائعاً عند أهل المدينة، فنهى الشارع عن ذلك؛ سداً للباب وحسماً لهذا التذرع غير المشروع. ويدل على ذلك قول ابن
(1) ينظر: اطفيش، شرح النيل، ج 8، ص 58، وأبو العباس، القرطبي، المفهم، ج 3، ص 376، والقرافي الذخيرة، ج 5، ص 147. (2) السرخسي، المبسوط، ج 13، ص 10، والكاساني، بدائع الصنائع، ج 4، ص 397، وابن الهمام، فتح القدير، ج 6، ص 514. (3) مسلم، صحيح مسلم، كتاب البيوع، باب بطلان بيع الحصاة والبيع الذي فيه غرر، برقم (3787)، ج 10، ص 395 - 396، مع شرح النووي ـ، وأبو داود السنن، كتاب البيوع والإجارات، باب: في بيع لا غرر، برقم (3376)، ص 524، والنسائي، السنن، كتاب البيوع، باب: بيع الحصاة برقم (4520)، ص 651،والترمذي، السنن، كتاب البيوع، باب: ما جاء في كراهية بيع الغرر، برقم (1230)، ج 5، ص 189، - مع شرحه عارضة الأحوذي ـ، وقال: حديث حسن صحيح»، وابن ماجه، السنن، كتاب التجارات، باب النهي عن بيع الحصاة وبيع الغرر، برقم (2194)، ج 3، ص 33 - بشرح السندي ..
--
(4) الشقصي، منهج الطالبين، ج 7،، ص،79، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 5، ص 221،والغزالي الوسيط، ج 3، ص 143. (5) أبو داود، السنن، كتاب البيوع، باب الرجل يبيع ما ليس عنده، برقم (3504)، ص 540 - 541، والترمذي، السنن، كتاب: البيوع، باب ما جاء في كراهية ما ليس عندك، برقم (1234)، ج 5، ص 193 - مع عارضة الأحوذي ..
(6) يُنْظَرُ: صمن هذا البحث.
-
206
(7) العينة هي أن يأتي الرجل رجلا ليستقرضه فلا يرغب المقرض في الإقراض طمعاً في الفضل الذي لا ينال بالقرض، فيقول أبيعك هذا الثوب باثني عشر درهماً إلى أجل، وقيمته عشرة. ويسمى عينة؛ لأن المقرض أعرض عن القرض إلى بيع يُنْظُرُ: الجرجاني، التعريفات، ص 5
العين.