النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٩٩٢992
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
عباس لمن سأله عن سبب النهي عن بيع الطعام قبل القبض: دراهم بدراهم والطعام مرجأ». وفي لفظ آخر: ألا تراهم يتبايعون بالذهب والطعام مرجأ).
وهذه في ما يظهر حكمة تشريعية للنهي عن بيع الطعام قبل القبض، وليست علةً بمعناها
الأصولي، فلا يمكن القياس عليها.
الفرع الثالث: الأدلة ومناقشتها
المقصد الأول: دليل القول بالجواز مطلقاً ومناقشته
أضرب كثير من أهل العلم عن حكاية القول بجواز بيع المبيع قبل قبضه مطلقاً، وأغفلوا
وستم
ذكره؛ لمصادمته الصريحة «لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام قبل قبضه»، وقد مرت حكاية بعضهم للإجماع على خلاف هذا القول (4). ومن ذكر هذا القول من العلماء أعقبه برده، وكرّ عليه بالنقض، ومن ذلك قول ابن عبد البر إثر حكايته لهذا القول: «هذا قول مردود بالسُّنّة والحجة المجمعة على الطعام فقط، وأظنه لم يبلغه الحديث، ومثل هذا القول لا يلتفت إليه» (5). وقال أبو العباس القرطبي: ومتمسكات مالك والشافعي تبطل قول عثمان البتي). ووصف النووي هذا القول بأنه «شاذ متروك» (7).
ولعل البتي عوّل في ما ذهب إليه من جواز بيع المبيع قبل قبضه مطلقاً على عموم قول الله ل: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البقرة: 275). ولم تبلغه أحاديث النهي عن بيع الطعام قبل القبض، أو أنها بلغته لكنه لا يرى تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد.
(8)
6 (9)
على أني لم أقف على من التمس لهذا القول توجيهاً، ولا من بحث له عن محمل، سوى ما ذكره المازري وتابعه عليه القاضي عياض، من ظنهما أن عثمان البتي قد سلك في إجازة بيع كل شيء قبل قبضه مسلك التعليل لحديث النهي بالعينة؛ فإذا ما ارتفعت هذه العلة، وانتفت التهمة بها، حل بيع كل شيء قبل قبضه؛ فحملا قوله بالجواز في حال أمن العينة التي هي سبب المنع عند بعض
(1) البخاري، الصحيح، كتاب البيوع، باب ما يذكر في بيع الطعام والحكرة برقم (2132)، ج 4، ص 439. (2) مسلم، صحيح مسلم، كتاب البيوع، باب بطلان بيع المبيع قبل القبض برقم (3815) ج 10، ص 408، مع شرح النووي. (3) عياض، إكمال المعلم، ج 5، ص 151، والنووي، شرح صحيح مسلم، ج 10، ص 411.
(4) انظر هذا البحث، ص.
(5) ابن عبد البر، التمهيد، ج 13، ص 334.
أبو العباس القرطبي، المفهم، ج 4، ص 377. (7) النووي، شرح صحيح مسلم، ج 10، ص 411. (8) المازري، المعلم، ج 2، ص 253. (9) عياض، إكمال المعلم، ج 5، ص 151.