النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٩٩٩نظرية القبض
د. محمد بن راشد بن صالح الغاربي
999
اعترض على الاستدلال بهذا الحديث من وجوه
الأول: إن المراد بالسلع في هذا الحديث الطعام؛ لأن العرب قد تطلق السلعة على الطعام وحده من دون سواه، قيل ومن ذلك قول الشاعر:
تدس إلى العطار سلعة أهلها وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر
قال المبرد: «يريد السويق والدقيق، وما أشبه ذلك» (1).
ومما يؤيد أن المراد بالسلع هنا الطعام وحده من دون سائر العروض الوجه الثاني وهو الآتي: الثاني: إن في رواية أحمد وابن حبان عن ابن عمر قال: «قدم رجل من الشام بزيت، فساومته فيمن ساومه من التجار، حتى ابتعته منه، فقام إليّ، رجل، فأربحني فيه حتى أرضاني، فأخذت لأضرب عليها، فأخذ رجل بذراعي من خلفي، فالتفت إليه، فإذا هو زيد بن ثابت، فقال لي: لا تبعه حتى تحوزه إلى رحلك فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك فأمسكت يدي»، فخرج الخبر على الزيت
والزيت من الطعام.
بيده
الثالث: إن ابن عمر ممن يزاول مهنة التجارة ويعالج البيع والشراء باستمرار، فما كان ليخفى عليه ـ وهو كذلك - حكم بيع المبيع قبل قبضه - مع أن ذلك مما تعم به البلوى ـ وهو من رواة حديث النهي عن بيع الطعام قبل قبضه، لكن ابن عمر قد ظن أن الزيت لا يندرج في عموم الطعام فنبهه زيد بن ثابت على اندراجه في ضمن الطعام، قال ابن عبد البر: (يحتمل أن يكون أراد السلع المأكولة المؤتدم بها؛ لأن على الزيت خرج الخبر» (3).
الدليل الثالث (4): حديث ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعتاب بن أسيد: «ثم إني قد بعثتك إلى أهل الله، وأهل مكة، فانههم عن بيع ما لم يقبضوا، وربح ما لم يضمنوا وعن قرض وبيع، وعن شرطين في بيع، وعن بيع وسلف» (5).
وقد أبان الشافعي وجه الاستدلال بهذا الحديث لمذهبه، حيث قال: « … من باع ما لم يقبض، فقد دخل في المعنى الذي يروي بعض الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعتاب بن أسيد حين وجهه إلى
406
(1) المبرد الكامل، ج 1، ص (2) أحمد، المسند، ج 6، ص 246، برقم (21160)، وابن حبان، صحيح ابن حبان، ج 11، ص 360، - بترتيب ابن لبان - (3) ابن عبد البر، التمهيد، ج 13، ص 335.
(4) الشافعي، الأم، ج 3، ص 422، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 5، ص 221، والبيهقي، معرفة السنن والآثار، ج 4، ص 348، والإشبيلي، مختصر خلافيات البيهقي، ج 3، ص 320، والرافعي، فتح العزيز، ج 4، ص 294 وابن العربي القبس، ج 3، ص 261. (5) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 313، وقال: «تفرد به يحيى بن صالح الأيلي، وهو منكر بهذا الإسناد». وقال ابن حجر في تلخيص الحبير، ج 3، ص 68: وفيه يحيى بن صالح الأيلي، وهو منكر الحديث».