البلاغ المبين
الجزء ١ · صفحة ٣٤٣البلاغ المبين في اضطراب (341) أحاديث رفع وقبض اليدين
وهذا كلام تقشعر منه الجلود، وتدهش منه العقول، فهذا القرآن الكريم بين أيدينا هل يجد الإنسان في ثناياه أن عبادة الله تعالى نيطت في أي موضع منه برؤيته سبحانه وتعالى؟
إنما عبادة الله تعالى نيطت بما أنعم الله سبحانه وتعالى به على عباده من نعمة الخلق والرزق وسائر الآلاء، التي تفوت الحصر، ويحار منها العقل، فإن الله تعالى يقول يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشَا وَالسَّمَاءِ بِنَاءِ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) (سورة البقرة: 21 - 22).
وقال سبحانه (لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشَّتَاءِ وَالصَّيْفِ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ
هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ) (سورة قريش: 1 - 4).
والقول أن عبادة الله تعالى من أجل رؤيته يضاهي قول اليهود الذين قالوا لموسى (ال): لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً) (سورة البقرة: 55)، مع أنهم قالوها عناداً لموسى (الله)، وهذه المقولة فيها عناد الله تعالى الذي أمر بالعبادة لتفضله بالخلق والرزق وصنوف النعم. بل خلق الخلق للعبادة فقط حيث يقول (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُون) (سورة الذاريات (56)، أوليس الخلق موجباً للعبادة؟ فهل تُرى أن الجمادات - أولى بأن تقوم بهذا الواجب لله سبحانه وتعالى من الإنسان، الذي أنعم الله تعالى عليه ببصيرة العقل، وبلغ إحسانه إليه أن خلق له ما في الأرض، وسخر له ما في الوجود؟