صفحة
الجزء ١ · صفحة ٣سمى المحكمة بهذا الاسم نسبة إلى الشعار الذي رفعوه ضد التحكيم وهو " لا حكم إلا الله " وقد فسر مخالفوهم هذه العبارة على أنها دعوة لعدم تنصيب إمام أو رئيس للدولة . ووافق الكتاب المحدثون أسلافهم القدامى في هذا التفسير ولكنهم جميعاً قد جانبوا الصواب . فالمحكمة الذين رفعوا هذا الشعار لم يجعلوه شعاراً مطلقا في كل الأحوال بل قصدوا منه تبيان رأيهم في حدث معين في زمن معين وهو إنكار التحكيم بين علي ومعاوية مادام حكم الله فيه واضحاً صريحا طبقاً للآية الكريمة التي تقول :
" وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فان فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل واقسطوا ان الله يحب المقسطين ".
تبعاً لذلك فإن المحكمة أوجبوا نصب إمام و اعتبروا إنكار الإمامة تعطيلاً لحدود الله وتضييعا لحقوق المسلمين . وقد اثبت المحكمة بالفعل صدق هذا القول وحرصوا على انتخاب إمام لهم في كل الظروف. ولم يكادوا يعلمون بنتيجة التحكيم حتى انتخبوا واحد منهم إماما عليهم وهو عبدالله بن وهب الراسبي ودعوا بقية المسلمين للانضمام إليهم. وهذه أول مرة في التاريخ الإسلامي ينتخب جماعة من المسلمين إماماً لهم من غير قريش، وبذلك حققوا حلم كثير من القبائل العربية التي نظرت إلى قريش نظرة حسد لأنها- حسب اعتقادهم- احتكرت السلطة دون بقية المسلمين . وبهذا الانتخاب أصبح هناك ثلاثة خلفاء في دار الإسلام : علي بن أبي طالب ومركزه الكوفة ، ومعاوية بن أبى سفيان في الشام ، وعبدالله بن وهب الراسبي إمام المحكمة الذين انعزلوا وعسكروا في النهروان . وأصبح كل إمام عدوا للاثنين الآخرين ، واعتبروا كل واحد منهم نفسه الإمام الشرعي للمسلمين ورأى أن من واجبة إعادة توحيد الأمة تحت زعامته .