الفكر السياسي عند الإباضية من خلال آراء الشيخ محمد بن يوسف اطفيش عدون بن ناصر بن قاسم جهلان

الفكر السياسي عند الإباضية

الجزء ١ · صفحة ١٠٧

الفكر السياسي عند الاباضية

107

الأوضاع، وسواء نجحت في مسعاها أم فشلت فإن ذلك حال دون اقتال الخوارج والشيعة فيما بينهم، وأكثر من ذلك نجد أخباراً تشير إلى قيام علاقات ودية بين الإباضية والشيعة، كتلك التي ذكرها الجاحظ عن هشام ابن الحكم وعبد الله بن زيد الإباضي أنهما كانا متصاحبين وكانت بينهما شركة في التجارة " ولميس غريباً إذا علمنا أن الإباضية يكنون لإخوانهم في المدين كل التقدير والاحترام، فهم لا يستعرضون ولا يبادرون بالقتل إلا في حالة الضرورة وبعد إقامة الحجة على خصمهم حسبما تنص عليه أصولهم ولدينا أمثلة في تاريخ الإباضية تشير إلى نواياهم الطيبة في التعايش السلمي مع مخالفيهم … ففي عهد الدولة الرستمية التجأت طوائف من الشيعة إلى الدولة الرستمية ففتحت لهم هذه الأخيرة ذراعيها ورحبت بهم وأكرمتهم وعرفت لهم مقامهم الرفيع ومقام جدهم الرفيع علي بن أبي طالب وقد وجد العلويون - وهم أبناء محمد بن سليمان العلوي أخو إدريس الأكبر مؤسس الدولة الإدريسية - وجد هؤلاء في الدولة الرستمية - كما يقول أ. محمد علي دبوز " من الإجلال والتعظيم ما جعلهم سادة في المدن التي

نزلوا فيها.

وليس غريباً عن الإباضية أن يعاملوا مخالفيهم بهذا التعامل الأخوي ما دامت تعاليمهم تحث على التقارب وجمع الشمل، وقد سعى أئمة الإباضية منذ البداية على أن تكون دعوتهم عبارة عن حركة إسلامية شاملة. وبالفعل كانت كذلك فانتشرت شرقاً وغرباً واجتذبت عناصر مختلفة من قبائل وأجناس لا فرق بين مسلم وآخر. وهذا أبو حمزة الشاري يقف على منبر الرسول صلى الله عليه وسلم بمكة يخاطب جموع الناس من مذاهب شتى ويقول: الناس منا ونحن منهم إلا عابد وثن وكفرة

(1) المرجع السابق، ص 183، نقلا عن الجاحظ البيان والتبيين، ج 1، ص 54 - 55. (2 أنظر محمد على دبوز تاريخ المغرب الكبير، ط 1، 1963 م، ج 3، ص 336 - 337.