الفكر السياسي عند الإباضية
الجزء ١ · صفحة ١٩٨198
الفكر السياسي عند الإباضية
الإباضية إلى الانزواء حول نفسها رافضة كل ما يأتي من الخارج. ويبدو أن هذا التأرجح بين الحالتين ناتج أساساً عن التغير الحاصل في الظروف الزمانية والمكانية وبما أن الإباضية يضطرون للدخول في مرحلة الكتمان هروباً بدينهم بسب الفساد وتسلط الحكم الجائر فهذا مما يدعو بالضرورة إلى الانعزال مع إبقاء العلاقات الأخوية بالمخالفين على الدوام دون إثارة الفتنة ما لم تمس الجماعة في دينها وأعراضها وممتلكاتها، أما إذا حدث شيء من ذلك فإن المرء يقتضي انتهاج سياسة الحياد الإيجابي وأول ما ينبغي في ذلك الالتجاء إلى مواقع نائية منعزلة
بعيدة عن مواطن الاتصال بين الأمم فيقطنون بقعاً تكاد تكون نسياً منسيا».
ومن مظاهر الانغلاق في مرحلة الكتمان الابتعاد عن مجالس المخالفين وعدم دراسة مؤلفاتهم مخافة التأثر بهم والذوبان في مجتمعهم، يقول الشيخ أبو الربيع سليمان بن يخلف النفطي (أواخر ق (5 هـ) يوصي أتباع الإباضية: «احذروا كثرة مجالس المخالفين … وتجنبوا مخالطتهم والميل إليهم وكثرة مطالعة مؤلفاتهم وحذروا من ذلك سواكم … » "، ويؤكد هذا نقمة المشايخ على أبي يعقوب يوسف ابن خلفون (أواخرق (6 هـ) شغفه بمطالعة كتب الأشراف " وغيره من تصانيف المخالفين
ربما كان الإباضية في موقفهم من الكتمان خوفاً من الوقوع في مزالق الأثم إلا أنه إذا حدث مثل هذا في فترة من التاريخ فإنه - لا محالة – وقع تحت تأثير
(1) أجناس جولد تسيهر العقيدة والشريعة في الإسلام، ص 147.
(2) صالح باجية الإباضية بالجريد، ص 48 نقلا عن الدرجيني الطبقات ج 2. (3) انظر: الفقه على المذاهب الأربعة، لأبي بكر النيسابوري الشافعي، المتوفى سنة 318 هـ.
(4) الدرجيني طبقات المشائخ بالمغرب، ج 2، ص 496.