الفكر السياسي عند الإباضية
الجزء ١ · صفحة ٢٧٧الفكر السياسي عند الاباضية
277
ومهما يكن من أمر الإمام عبد الوهاب أو أفلح أو غيرهما من الأئمة الإباضية فإن العبرة بالمواقف المشرفة في ممارسة الحكم التي تنم عن علو الهمة والكفاءة العالية والحنكة السياسية في تدبير شؤون الدولة سواء أكان باللين واللطف أم بالقوة والصرامة في حدود الشرع ولكن ليس بالحيلة والعنف وفق السياسة الميكافيلية - كما يرى أ. جودت عبد الكريم - ثم إن العبرة الجديرة بالتنويه أن القوة إن استخدمت لصالح الدولة فإنها لم تكن في معزل عن الديمقراطية لأن القوة في غياب الحرية والديمقراطية معناها، ديكتاتورية الحكم، وهذا ما لم يحدث في دولة إباضية في مشرق الأمة الإسلامية أو مغربها.
هذه نظرة حول طبيعة الحكم لدى الإباضية من الناحية العملية أما عن الناحية الفكرية فإن الملاحظة الأولى تثبت بوضوح أن الإباضية لم يكونوا منظرين في السياسة بقدر ما كانوا واقعين عمليين ولذلك يندر أن نجد مؤلفاً خاصاً لموضوع الحكم لدى المفكرين الإباضيين مثلما نجد مؤلفات كثيرة في السياسة للفاربي والماوردي وابن أبي الربيع والمهدي ابن تومرت وغيرهم ولذلك جاءت معظم الآراء السياسة عند الإباضية موزعة بين الموضوعات الفقهية والأصولية والأخلاقية وتتضح لنا هذه النظرة من خلال شخصية أطفيش الذي ركزت هذه الدراسة على آرائه السياسة فهو لم يترك لنا كتاباً خاصاً في السياسة وإنما تعرض لهذا الموضوع أثناء معالجته للمسائل الفقهية والأصولية والكلامية والموضوعات ذات الطابع الإنساني والاجتماعي بصفة عامة، ولعل السبب في ذلك أن القطب لم يكن فيلسوفاً أو مفكراً سياسياً بل كان فقيهاً عالماً في العقيدة وأصول الدين وهذا لم يمنعه من الاهتمام بالمسائل السياسية فقد دلت آثاره على إطلاعه الواسع في مجال الفكر السياسي ووعيه بنظم الحكم السائدة في عصره وما قبله.